View Single Post
Old 24-Jan-15, 17:31   #4
هرقل
Crown Member
 
هرقل's Avatar
 

Join Date: Aug 2008
Location: mafee@hotmail.com
Posts: 61,640
Send a message via ICQ to هرقل Send a message via AIM to هرقل
Thumbs up

ها هي رمال الصحراء قد تخضبت باللون الأحمر
..
حمراء هي .. بلون حطام المربع الانجليزي المنكسر !
لقد صمت المدفع .. و قُتِلَ الكولونيل !
قُتل الكولونيل .. قُتل الكولونيل !
( نيللاندز : مصدر سابق ، ص 126)

تلت ابوطليح اشتباكات اخري في المتمة والشبكات تكبدت فيها حملة الانقاذ خسائر فادحة ما بين جرحي وقتلي .. واشتدت المواجهات مع قوات الاحتلال بعد التعزيزات التي ارسلها الامام المهدي بقيادة الامير النور عنقرة ..وهكذا تحققت اهداف الثورة المهدية بتعطيل حملة الانقاذ التي تأخرت لتلعق جراحها وتدفن موتاها وسط أنين الجرحي البريطانيين !

وتناقلت بريطانيا أنباء موقعة "ابوطليح " الخالدة .. فاستشاطت الملكة فكتوريا غضبا وسطرت خطابا شديد اللهجة للجنرال ولسلي قائد جيشها في السودان والذي عقدت عليه الامال لإنقاذ غردون .. عبرت فيه سخطها التام لما بلغها من أنباء صادمة عن عجز قواتها عن التقدم امام بسالة وتصميم السودانيين في مقاومة الغزاة .. وفي الأسبوع الثاني من يناير 1885 كتب ولسلي المحبط لزوجته في بريطانيا ما هو نصه : " انني اشعر بغاية الحنق والضيق من خطاب جلالة الملكة ( والذي أرفقه لك في هذه الرسالة) .. فمن النادر جدا ان تكتب الملكة خطابا مؤذيا كهذا لقائد عسكري مثلي في الميدان. لقد كانت كلماتها تعبر عن منتهي الفظاظة وعدم التقدير ! ولكن بما انها ملكة بريطانيا فإنني لا أستطيع ان اجادل جلالتها لذلك قررت ان أتوقف عن الكتابة والرد عليها " .. ( نيكول : أوراق اللورد ولسلي ، خطاب بتاريخ يناير 1885، مصدر سابق ، ص 290 ) .

اما جنوبا .. وتحديدا بداخل أسوار مدينة الخرطوم المحاصرة .. وعندما اشارت عقارب الساعة الي الحادية عشرة من مساء 25 يناير 1885 .. كانت انامل الجنرال غردون المرتعشة تختط اخر اسطر مذكراته .. والتي جاء فيها : " اذا لم تصل القوات البريطانية علي وجه السرعة ، فان مدينة الخرطوم ستسقط في يد المهدي.. لقد فعلت كل ما بوسعي فعله من اجل شرف وكرامة بريطانيا ... وداعا .. وداعا .. مخلصكم تشارلز غردون " ... وفي تمام الثالثة من صباح 26 يناير 1885 عقد الامام المهدي مجلس شوراه الأخير قبل تحرير الخرطوم مع الخلفاء وكبار الأمراء وخلص الاجتماع الي ضرورة الهجوم علي الخرطوم لتحريرها علي ضوء إصرار غردون علي عدم التسليم وحقن دماء الناس .. ولتتفرغ قوات الثورة المهدية لمواجهة حمله الانقاذ في الشمال .. وجمعت قوات المهدية للمهدي ليخاطبها قبل المعركة.. ويورد فيرغس نيكول في سفره ( مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون) .. وصايا المهدي المشددة الاخيرة لجيش الثورة المتأهب لتحرير المدينة .. " اذا نصركم الله .. الغردون لا يُقتل .. الفقيه محمد الامين الضرير لا يُقتل.. .. كل من استسلم و رمي سلاحه لا تقتلوه.. كل من أغلق باب بيته عليه لا تقتلوه " .. ثم كبر المهدي بسيفه في اتجاه الخرطوم إيذانا ببدء الهجوم لتحرير عاصمة البلاد ..( نيكول : مصدر سابق ، ص 218 ) .. استطاعت قوات الامير النجومي والأمير ابوقرجة والأمير ود نوباوي احتلال الخرطوم في وقت وجيز .. وفي خضم هذه اللحظات التي عادة ما يصحبها الكثير من الانفلات الثوري الذي يصعب السيطرة عليه.. قتُل غردون خلافا لأوامر المهدي الصريحة بالحفاظ علي حياته .. وحدثت العديد من التجاوزات التي نهي عنها القائد وكبار الأمراء .. ويقول نيكول انه علي الرغم من ذلك فان المهدي وود النجومي كانا من الحرص بمكان علي حياة المدنيين .. وعندما دخل المهدي المدينة ظافرا وجه الامير احمد ود سليمان امين بيت المال .. بإرجاع كل امرأة من اهل المدينة الي اهلها او اي قريب لها قبل غروب الشمس ( نيكول: مصدر سابق ، ص 223 ) .. وفي هذا الشأن أيضاً .. اصدر المهدي منشوره الشهير بعد تحرير الخرطوم :" ان النساء الخارجات من ققرة الخرطوم جميعا قد أحببنا ان يعطين لازواجهن ولا يجوز لأحد من أصحابنا وأحبابنا ان يتزوج منهن .. فذوات الأزواج يسلمن لازواجهن وكل من لا زوج لها تكون لدي امين مأمون( المقصود شخص محرم ) ويجري راحتهن.. فالحذر من التزويج لأحد من نساء ألقياقر المذكورة صغيرة او كبيرة .. ثيبا او بكرا ومن تزوج بواحدة من المذكورات بدون نظر حكم الله فهو الجاني علي نفسه والسلام " .. ( ابو سليم : مصدر سابق، ص 286-287 ). وبوقوع الخرطوم في قبضة الثوار شرع الامام المهدي في تشييد العاصمة الوطنية " ام درمان" وابتني لنفسه منزلا طينيا متواضعا وتبعه الثوار فأعلنت تلك اللحظات ميلاد السودان المستقل الموحد .
ثم بدأت مرحلة مطاردة جيش حملة الانقاذ البريطاني المنهزهم والذي مُني بالمزيد من الخسائر الدامية .. فسقط الجنرال الانجليزي الأبرز " وليام أيرل" قتيلا في موقعة كربكان في فبراير 1885 . وكتب ولسلي للورد هارينجتون وزير الدفاع البريطاني آنذاك ليصف حملة التعبئة الناجحة للثورة المهدية والتي أدت الي اشتعال الشعور القومي السوداني ووحدة ابناء الوطن في مواجهة الغزاة : " انهم ينظرون إلينا الان بكراهية عمياء.. فنحن في نظرهم كفار وغزاة جئنا الي بلادهم تلبية لرغباتنا الانانية ويعتقدون اننا ان انتصرنا عليهم .. سنأتي بحاكم اجنبي .. يسومهم عسفا وظلما ويفرض عليهم الضرائب الباهظة كما كان يفعل الباشوات المصريون" ويعلق نيكول علي هذا الخطاب قائلا : " لقد كانت القوات البريطانية بلا صليح ليقف الي جانبها في السودان ".. ( نيكول: خطاب ولسلي للورد هارينجتون وزير الدفاع البريطاني 1885 ، مصدر سابق ص 30 .

وبانسحاب قوات جراهام من شرق السودان تحت ضغط عمليات عثمان دقنة العسكرية العبقرية الماكرة.. تم تحرير معظم أراضي السودان من اي قدم انجليزية وفي أواخر ابريل 1885 رفع الامير عثمان دقنة تقريره للامام المهدي قائلا : " لقد قذف الله الرعب في قلوب أعداء الله الانجليز بفضل ثبات الأصحاب وولوا الأدبار هاربين " .. ( نيللاندز : مصدر سابق ، ص 150). ويعلق نيكول علي هذه الأحداث قائلا : " ان حملة بريطانيا العسكرية في السودان التي فاقت تكلفتها السبعة ملايين من الجنيهات الاسترلينية قد انتهت الي الفشل التام " ! .. وفي فبراير 1885 كتب اللورد ولسلي قائد حملة الانقاذ لزوجته الليدي لويز ولسلي .. بمرارة..قائلا : " لقد انتصر المهدي .. وها نحن نبدو جميعاً.. كالاغبياء !" .. ( The Mahdi has won , and we all look very foolish ) .. ( نيكول: مصدر سابق ، ص 224 و225).

ويحلل المؤرخ البريطاني والمحلل العسكري دونالد فيثرستون أسباب انتصارات الثورة المهدية علي جيوش الاستعمار.. حيث يرجع ذلك لملكات المهدي القيادية وتخطيطه العسكري المتميز المستمد من اطلاعه ودرايته التامة بتاريخ حروب الاسلام الأولي ومقدرته علي اختيار ما يناسب ظروفه من تكتيكات عسكرية منها ويصف عبقرية تكتيكاته العسكرية في مواجهة الجيوش البريطانية ..بكلمات قصار موجزات .. " لقد كان قادرا علي الاستفادة من هذا الإرث في الصبر علي العدو والانتظار بتأن حتي تحين اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية .. لقد كان بارعا في الاستفادة القصوي من لحظات الارتباك الكامل في صفوف عدوه .. ان المرء منا ليجد قرارته العسكرية والسياسية المصيرية - في معظم الأحيان- مصحوبة بحدسٍ عبقري قلما يخطئ " ثم يستطرد قائلا .. " لقد كانت تكتيكات الانصار العسكرية تعتمد علي عنصري المفاجأة والصدمة .. والإحاطة الدائرية بالعدو من اتجاهين ".. ولا يخفي فيثرستون اعجابه الشديد بفكر القادة العسكريين للمهدية حين يقول عنهم : " علي الرغم من عدم تلقيهم تدريبا عسكريا نظاميا الا ان تكتيكاتهم العسكرية والقتالية المتأصلة قد جعلت منهم مقاتلين رائعين".. ( فيثرستون: الوقفة الاخيرة للجنرال غردون، Osprey Publishing ،أوكسفورد ، المملكة المتحدة 1993 ) .. اما عن عبقرية الامير عثمان دقنة العسكرية فيقول المؤرخ البريطاني وليام رايت : " من الممكن القول بان عثمان دقنة كان اكبر عبقرية عسكرية تكتيكية واجهتها الامبراطورية البريطانية في حروب الصحراء علي الإطلاق ! . لقد كان بارعا في الإبقاء علي تماسك جنوده .. يعرف جيدا كيف يقوم بالاختراقات العسكرية المباغتة الناجحة فيضرب مؤخرة المربع العسكري للعدو .. ويعرف جيدا متي ينسحب بقواته .. كان يفهم جيدا أهمية رفع الروح المعنوية لرجاله فيؤكد لهم ان الانجليز قد فروا وولوا الأدبار فيلهمهم ( اي رجاله ) مزيدا من الثبات والاخلاص في القتال . لقد كان دقنة رائعا في إلهاب حماس جنوده بالخطب الحماسية التي تستحسنها اذان الرجال قبل المعركة ".. " William Wright: The Battle story , Omdurman 1898 , by William Wright ,The History Press , e-book, P64 " .. ولعل هذه التكتيكات هي التي قادت السودانيين لانتزاع استقلالهم من المحتل عنوة واقتداراً .
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
هنا وراء البحر..نفعل ما يفعل السجناء والعاطلون عن العمل
نربي الأمل

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
هرقل is offline               Reply With Quote