View Single Post
Old 05-Mar-10, 13:24   #2
sentimental
Golden Member
 
sentimental's Avatar
 

Join Date: Jun 2002
Location: TORA BORA
Posts: 5,397
Send a message via ICQ to sentimental Send a message via AIM to sentimental Send a message via Skype™ to sentimental
Post


تاريخ الرأسمالية الخلاقة:

في بدايات الثورة الصناعية كتب رجل الأعمال اندرو كارنج " إن مشكلة عصرنا هي الإدارة الرشيدة للثروة والتي يبدو أن روابط الإخوة بين الفقراء والأغنياء لا زالت تساعد على انسجام عراها". أما في القرن الواحد والعشرين، فيبدو أن هذه الشقة بين الفقراء والأغنياء قد كبرت، وان الأوان إلى إيجاد هذه الإدارة الرشيدة للثروة. وهذا ما يقوم به الرأسماليون الخيريون من محاولة لإيجاد طرق بديلة لإشراك الفقراء في العمل. يعتقد كارنج أن أفضل طريقة لإدارة الثروة هي منحها خلال حياة صاحبها لا توريثها لعواقبها الوخيمة على الوراثين. كما يرى أن منحها للدولة، يعني عدم معرفة الموهبة التي تمتع بها صاحبها في جمعها للصالح العام. أيضا، يرى عدم العدالة في امتلاك الثروة بسبب النمو الاقتصادي المطرد والذي يجعلها في جانب واحد لذوي الحظوة بينما يترك الأغلبية في الجانب الآخر. وان الذي يجب أن يقوم به الرأسماليون الخيريون الآن هو مساعدة الناس بمنحهم المال مع الخبرة التي اكتسبوها لمساعدة أنفسهم، وبذلك يعتبر أصحاب الثروات مجرد أوصياء عليها في ادارتها لأجل الصالح العام.

روح الرأسمالية الخيرية:

بحسب رؤية بيل غيتس، فان قيمة الانسان في أفريقيا يجب أن تكون مثل نظيرتها في الولايات المتحدة. وان لأي شخص على كوكب الأرض الحق في الحصول على الصحة الأساسية، وان الفرصة واتته "غيتس" الآن لاستخدام ثروته الطائلة لتصحيح هذا الظلم.

من هنا تنبع روح الرأسمالية الخيرية في إيمانها بقدرتها على معاجلة مشاكل المجتمع الكبيرة والمزمنة، وان عليها القيام بذلك. وحيث يمتلك هولا الخيرون الجدد جميع عوامل النجاح. فهناك مشكلة تحتاج لمعالجة، ولديهم المصادر المالية، والخبرات العملية لحل هذه المشكلة. لكن، ربما كان السؤال الأقرب إلى الذهن هو: هل ما يقومون به هو لأجل الإنسانية، وهل من المهم ذلك؟.

أظهرت دراسة قام بها مجموعة من الباحثين في عام 1990م في عينة من 99 متبرعا من نيويورك، أن المتبرعين ينظرون للتبرع كالتزام مدفوع بعوامل التدين. ولكن حتى ولو لم يكن مدفوعا بالغايات الدينية، فألاهم هو قدرته على معالجة مشاكل المجتمع. فالعمل الخيري يجب أن لا يقتصر في مضمونه برجاء ثواب الآخرة فقط، ونسيان غاياته الأخرى وهي منفعة الإنسانية. وفي ذلك تقول الكاتبة السعودية إيمان القويفلي في جريدة الوطن الصادرة بتاريخ 30 ابريل 2009م إن "ثقافتنا السائدة نجحت فعلا وبشكل ما في فصل مفهوم "الخير" عن غايته الدنيوية، وفي تكريس مفهوم لفعل الخير مفرغ من الخيرية". إذن، خير الآخرة وخير الدنيا مفهومان لا ينفصلان في ثقافتنا الإسلامية إذا عرفنا كيف نقوم بالأعمال الخيرية بالطريقة الصحيحة. وفي أمثلة الأعمال الخيرية الناقصة تقول القويفلي" هذا البذل المالي الكبير دون تدقيق في طريقة توظيفه وإنفاقه، لان الثواب الإلهي متحقق بمجرد البذل، وكذا البذل المالي دون التطوع بالجهد الشخصي، حتى عندما تكون حاجة الواقع إلى العمل لا إلى المال، وبناء المزيد من المساجد في مكان يحتاج إلى مدرسة أو مشفى ... المهم أن الأجر متحقق بمجرد الفعل وبمعزل عن فائدته العملية في الحياة وللآخرين". من هذا نستشف أن العمل الخيري يظل ناقصا ما لم تكون غايته الدنيوية أيضا متحققة، فلا فائدة من مال لا يرفع الفقر عن فقير، ولا جهد شخصي يعلم الآخرين مساعدة أنفسهم. لذا وجب أن تتوفر آلية محددة تؤكد أن أموال المتبرعين وجهودهم تذهب إلى غايتها في تحقيق اكبر قدر من التغيير نحو الأفضل.

الشفافية:

في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، صارت المعلومات متاحة على موقع “Charity "Navigator، حيث يوفر الموقع معلومات عن حجم الإنفاق على الجوانب الإدارية لهذه المنظمات. لكن لا توجد معلومات أكيدة عن حجم الإنفاق أو الفائدة التي يجنيها المستهدفون بهذه المنظمات. لمعالجة الأمر، بادر كل من هولدن كارنوفسكي وإيلي هاسنفيلد الموظفين في احد الشركات الأمريكية، بإنشاء منظمة في عام 2006م أطلقا عليه اسم "”Givewell، هدفها هو مساعدة المتبرعين الحصول على معلومات عن أكثر المنظمات فاعلية في مساعدة الناس. والتأكد من أن تبرعاتهم تذهب إلى مبتغاها، وذلك من خلال التقارير التي تعدها الهيئة التابعة لها والمسماة "”The Clear Fund. وفي التقرير الأول للمنظمة والمنشور على موقعها www.givewell.net توجت منظمة "”Population Services International الأولى من حيث الكفاءة في مساعدة الناس في أفريقيا، تلتها منظمة “Partners in Health”. إن التقييم الذي تمنحه هذه المنظمة التي أنشئت بغرض تشجيع الشفافية في العمل الخيري، يشجع بدوره الناس على التبرع للمنظمات الأكثر كفاءة في خدمة الفقراء. وفي النهاية تتحقق الغاية المنشودة بطريقة أفضل. وما ينطبق على المنظمات التقليدية هنا، ينطبق أيضا إلى المؤسسات التجارية التي تتضمن خططها أعمالا خيرية.

هذا النموذج الذي تقدمه منظمة Givewell يساعد المانحين في معرفة أفضل المنظمات التي يمكن أن يعهدوا إليها بأموالهم. كما يساعد المنظمات الخيرية على إبداء قدر اكبر من الشفافية تجاه هولا المانحين وتجاه الغايات الجيدة التي قامت من اجلها هذه المنظمات في الأساس. كما أن استخدام تكنولوجيا المعلومات لتوفير هذه الخدمة، تعد مثالا بسيطا لما يمكن أن يكون عليه عمل الخير. فليس الأثرياء فقط هم المنوط بهم القيام بكل الأعمال، حيث أن هناك الكثير من الوسائل البسيطة التي يمكن أن يوظفها كل فرد منا بحسب مقدراته ومهاراته لخدمة البشرية. أن عصرنا الحالي لما يتميز به من سهولة نقل وتخزين المعلومات عبر شبكة الانترنت، يؤكد على الحاجة إلى شباب عربي قادر على تطويع هذه التكنولوجيا لخدمة الأهداف الإنسانية الراقية، خصوصا في ظل وجود الدافع الديني لدى مجتمعاتنا العربية. هذا الشباب يمكنه أن يحدث الكثير من التغيير على وجه العمل التطوعي العربي نحو الأفضل.

دور المنظمات الخيرية العربية:

في دراسة غير منشورة، قدر الإنفاق الخيري في دول الخليج، كما أوردت الأستاذة إيمان القويفلي، بمبلغ يتراوح ما بين 15 – 20 مليار دولار أمريكي سنويا. هذا الكم الهائل من الأموال إذا تمت إدارته بالطريقة الصحيحة قادر على جعل العالم مكانا أفضل للبشر. لكن يبدو أن ما ينقصنا هو المعرفة بثقافة العمل الخيري والتطوعي، وضعف الانفتاح على التجارب الجديدة. على الرغم من أن ديننا الحنيف قد حثنا على ذلك في أكثر من موضوع في القران الكريم: "فأستبقوا الخيرات ..." المائدة: الآية 47، ومن السنة المطهرة: "خير الناس انفعهم للناس". المطلوب منا أن نضع جنبا إلى جنب الرغبة في الثواب عند الله تعالى، إلى الرغبة في مساعدة الإنسانية في الدنيا التي استخلفنا فيها. والإيمان بان الغرض من العمل التطوعي حثنا عليه الإسلام أصلا لمساعدة الناس في الدنيا مع رجاء ثواب الآخرة. إن العبرة ليست في منح الأموال دون معرفة طريقة صرفها في حل مشاكل المجتمع، ولكن في معرفة كيفية حل المشكل القائم من خلال المشاركة الفعالة بالمعرفة والرأي والعمل. من هنا تنبع أهمية وجود "رأسمالية خيرية إسلامية" تتعامل مع مشاكل المجتمع بواقعية اكبر وعلمية تنبع من الممارسات الاقتصادية الإسلامية. تلك الرأسمالية التي تساهم في التطور التنموي والمعرفي للجماهير، وفي خدمة اكبر عدد ممكن من الناس المحرومين وتحويلهم إلى منتجين بدلا عن متلقين.

نحو رأسمالية خيرية إسلامية:

العالم الإسلامي ليس بمنأى عن بقية العالم. فما يحدث في الغرب نتأثر به بطريقة أو بأخرى. خصوصا مع سهولة انتقال الأفكار في عصر المعلومات، وهذا في حد ذاته يمكن أن يطلق عليه "العولمة الفكرية". بالنظر إلى واقعنا الخيري الإسلامي المتأرجح ما بين المسؤوليات الهائلة التي يضطلع بها، وثقافة طوعية ضعيفة نوعا ما، فان من أفضل السبل الدخول في شراكات مفيدة مع رؤوس الأموال وتدويرها في مشاريع خيرية تعود بالنفع لكل الأطراف. مستخدمين في ذلك أفضل ما وفرته التكنولوجيا الحديثة من وسائل لإدارة العمل التطوعي بفعالية اكبر.
كذلك تزداد الحاجة إلى كوادر إدارية فعالة لنقل العمل التطوعي إلى مستويات أكثر انضباطا وذلك بإخضاعه لقوانين الأعمال التجارية بغض النظر عن مفهوم الربح والخسارة. هكذا يستطيع العمل التطوعي الإسلامي الخروج من مأزقه الحالي ليصبح أكثر فاعلية وأكثر جدوى لخدمة البشرية. وهذا لا يتعارض إطلاقا مع نظرية العمل التطوعي، بل يقوم بتعزيزها وضبطها والاستفادة من أموال المتبرعين لأقصي درجة ممكنة. ومع ذلك، فلا بد من المحافظة على الأهداف السامية للعمل الخيري والتطوعي بعدم الانزلاق به إلى فكرة حب الظهور والشهرة أو استغلال الفقراء. بل يجب تمكين دولته عبر تحبيب الناس به وخصوصا الشباب من خلال برامج مدروسة في إطار المنفعة الإنسانية. من الأفضل تمليك الفقير ما يدفع به الفقر عن نفسه ويكون منتجا، وليس مساعدته على الفقر عبر تقديم الهبات في كل مرة. ومن التجارب الإسلامية الرائدة في هذا المجال، هي تجربة الدكتور يونس خاتون في بنغلاديش، أرى أنه من المفيد الاطلاع علي معالمها.

بنك القرية:

"إن المجتمع شحيح جدا ولا يترك للفقير فسحة حتى ينمو نموا طبيعيا ...فهو "الفقير" يملك كل الطاقة وروح الإبداع اللازمة ...فقط لأننا لم نسمح له بتفجيرها واستخدامها". قالها الدكتور محمد يونس خاتون الحائز على جائزة نوبل للسلام مناصفة من بنك غرامين "بنك القرية" الذي أنشاه لمساعدة فقراء بنغلاديش. ولد الدكتور يونس في عام 1940م في مدينة شيتاجونج Chittagong المركز التجاري لمنطقة البنغال الشرقي في ذلك الوقت. بعد إكماله دراسة الدكتوراه من جامعة فاندربيلت Vanderbilt الأمريكية وعودته إلى بلاده في عام 1972م ، أصبح رئيسا لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج إبان سنوات المجاعة التي عصفت ببنغلاديش عقب انفصالها من باكستان. بعد عامين من التفكير المتواصل عن كيفية مساعدة فقراء بلاده، قرر يونس ترك عمله بالجامعة ثم اقترض مبلغا صغيرا من البنك ليقرضه بدوره لبعض الفقراء. وبعد سنوات نجح الأمر نجاحا باهرا بخروج 500 أسرة من دائرة الفقر. ثم تبني البنك المركزي فكرة إنشاء بنك القرية للقروض الصغيرة. تتلخص فكرة البنك في تقديم قروض صغيرة للفقراء لا تتجاوز مائتي دولار أمريكي يبدأ بها الفقير عملا لكسب قوته وقوت أهله. هذه القروض ميسرة الدفع وبلا فوائد أو ضمانات. والآن هناك آلاف الأسر البنغلادشية التي خرجت من تحت خط الفقر بسبب هذه الفكرة البسيطة على يد رجل لم يكن يملك إلا الفكرة والإيمان بها.

انك حين تقرأ قصة الدكتور يونس وهو يسرد ملامح مسيرته مع نظامه وكيفية ابتداعه في إيجاد الحلول الواقعية لمعاناة شعبه، فانك تجد في كل هذا حكمة ودرسا تستفيد منه وتستخلصه، بعيدا عن استنساخ الأفكار. وهذا ما أكد عليه الدكتور يونس نفسه حين استدعي لزيارة عدد من الدول العربية لغرض نقل تجربته، فكان من بين أهم نصائحه " ابدأ بسيطا، صغيرا حتى تتعلم وأنت تكبر وحتى يسهل عليك وضع نظام وشروط عملك الخاصة دون التقيد بقوانين البنوك المعقدة في بلدك".

مثل هذا المشروع يمكن استلهام فكرته وتطبيقها في عالمنا العربي كجزء من النشاط الخيري بعد إدخال التعديلات التي تناسب أوضاع مجتمعاتنا. وعوامل نجاحه كثيرة منها توفر صيغ التمويل الإسلامي. هذه الصيغ التي كشفت الأزمة المالية الراهنة قدرتها على تقديم حلول لمشاكل التمويل والائتمان العالمية.

إن كان بيل غيتس هو أول من أطلق الدعوة إلى رأسمالية خلاقة، فيمكن القول انه هو كذلك الذي أرسى قواعدها من خلال نشر وسائل المعرفة التكنولوجية الحديثة عبر العالم على الرغم من أثرها في زيادة الهوة بين الفقراء والأغنياء. لتجسير تلك الهوة جاءت الدعوة إلى حقبة رأسمالية جديدة تخدم الطرفين من خلال خدمة المبدأين المتصارعين في النفس الإنسانية وهما المصلحة الشخصية والاهتمام بالآخرين. ومن هنا فان الرأسمالية الخلاقة نظام يخدم المصلحة الشخصية مع الاهتمام بالآخرين في نفس الوقت عبر دوافع الربح والإشادة بالجهود. هذا النظام لا يتحقق بالطريقة التقليدية التي تفصل الدوافع البشرية عن بعضها البعض وبالتالي لا يتحقق الغرض من كليهما في الوصول خدمة البشرية. والصيغة التي يمكن أن نطرحها نحن في المقابل هي صيغة الرأسمالية الخيرية الإسلامية التي تجمع بين حق الغني وحق الفقير في الاستفادة من الثروة.
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
الذي يعرفني ، أعرفــــــه، والذي أعرفــــــه يعــــــــــــــرفني والذي يطرقني لست مسؤلا عنـــــــه
قلت لشجرة اللوز: حدثيني عن الله يا أخت؟! فأزهرت شجرة اللوز
sentimental is offline               Reply With Quote