kaonaro
19-Feb-09, 00:07
الصفحات الأخيرة من رواية "مريود"
للأديب الطيب صالح
محجوب قبل خدها وهو يغالب الدموع فتغلبه. وانحنيتُ عليها وقبلت جبهتها، فتشبثت بي وطوقتني بذراعيها، فأحسست بها مثل سرٍ عزيزْ، مثل شيءٍ عسيرٍ مستحيلْ. ذلك العطر. ذلك الشباب. ذلك الحلم. دارت عجلة الزمان القهقرَى، حتى توقفت عند ليلة صيفٍ قمراءْ، ليست من ليالي هذا الزمان ولا هذه الأرض. وسمعتُ حس بكائي كأن أحداً غيري يبكي الدموع التي ظلت حبيسةً كل تلك الأعوام. هذه حصتي من كل شيء. هذا نصيبي وإرثي. مات عنها وتركها لي لتموت على صدري. لعلني لهذا عُدت.
كانت مثل طائر. رفعها محجوب من نعشها فشهق ضوء المصابيح على حافة القبر، وسمعت هبوب أمشير تناديني بلسان مريم "لا شيء .. لا أحد." خطا بها نحو القبر، فاعترضت طريقه ومددت يديَ. نظر إلي برهةً، ورأيت عيناه ترقّان وتغرورقان، فتركها لي. كانت خفيفة مثل فرخ طائر وأنا أسير بها في طريقٍ طويلٍ يمتد من بلدٍ إلى بلدْ ومن سهلٍ إلى جبلْ. لم يكن حلماً. أبداً. كان مريم نائمةً على كتفي. سرتُ بها على ضفة نهرٍ إلى وقت الضحى، فأيقظها لفح الشمس على وجهها. انفلتت مني وقفزَت في الماء. كانت عارية. أشحتُ عنها، ولكنني لم أطق صبرا فأدرتُ لها وجهي. نظرتُ، فإذا هي في بركةٍ من الضوء، وكأن أشعة الشمس هجرت كل شيٍ وتعلقت بجسدها. كانت تغطس وتقلع، وتختفي هنا وتظهر هناك، وتضحك لي من جهة اليمين، ثم إذا هي تناديني من جهة اليسار. نعم. نعم. نعم. أريد أن أغرق في نبع ذلك الضوء الذي ليس من أضواء هذا الزمان ولا هذه الأرض. لكنني ترددتُ، ليس أكثر مما يطرف جفن العين. في تلك اللحظة، عاد الشعاع إلى منبعه، وذهب الطيف، لا أعلم إلى أين. ناديتُ بأعلى صوتي "يا مريوم. يا مريوم." فعاد الصدى مجسماً بألسنةٍ شتىَ "يا مريود. يا مريود." ضربتُ دون هديٍ في صحراء عقبة تُويوي ريحها وتتهايل رمالها، حتى بلغ مني اليأس وأخذ مني الجهد. ثم إذا شجرة طلْحٍ يلمع نوّارُها. تهالكتُ عندها. فجأةً أحسستُ بمريم. بُعيد العشاء أو قُبيل الفجر لا أعلم. لكنني أذكر ظلاماً رهيفاً وضوءاً ينسكب على وجهي من عينيها، شربتُ منه حتى بلغ مني الظمأُ غايته. قلتُ لها: -
"ألا أسيرُ معك؟ فإنني الآن أقوى."
قالت: "لا. أنت تعود أدراجك وأنا أسير من هنا وحدي."
قلتُ: "لكنني ..."
قالت: "إنك لن تستطيع معي صبرا. فوراء هذه البيداء جبال. ووراء الجبال بحر. ووراء البحر لاذا ولاذا. النداءُ لي وحدي. أنت تعود وأنا أمضي."
ثم أخذت رأسي ووضعته في حجرها، وهدهدتني زمناً بصوتٍ كأنه دبيبُ نمالٍ في تلال رمال، وقالت لي: -
"لا تبتئس يا ضوء عيني فإنني لن أبعد. سوف تراني وتسمع صوتي."
قلت وأنا لست أنا "هيهات . هيهات."
حينئذ قبلتني بين عيني، وابتسمت بكل جمال وجهها في وجهي، وقالت: -
"بلَى بلَى يا رمانة قلبي. إذا احتجتني فادعني فسوف أجيء"
قلتُ: -
"هيهات . هيهات."
قالت: -
"ولكن عليك أن تصبر وتُذعن"
قلتُ: -
"إذاً اجعلي لي آيةً"
قالت: -
"آيتك ماء. آيتك ماء. أبداً تتلفت خلفك. آيتك أن تظل يقظان إلى آخر العهد. ستراني وسوف أعينك قدر المستطاع."
"فلأسر معكِ خطواتٍ أُقدِّمكِ."
قالت: -
"لا يا تفاحة فؤادي. هنا مفترق الطرق وإنه الوداع."
عصر الحزن قلبي عصراً، ولم أجد الدمع الذي أُبرِّد به حر جوفي لأنها سلبتني نعمة البكاء.
قلت لها: -
"إذاً زوديني ."
قالت: -
"لا"
قلت: -
"زوديني"
قالت: -
"لا"
قلت: -
"زوديني"
قالت: -
"لا"
قلت: -
"زوديني"
قالت: -
"واحسرتا عليك يا محبوبي. خير الزاد أنا. وإنني مفارقتك من هنا. لا شبع لك من بعدي ولا ري، ولا شفيع ولا نجي. فاضرب حيث شئتْ، وتزود إن استطعتْ واطلب النجاء. إلى أن تلقاني فأعطيك المنَّ والسلوى."
ثم أبعَدَتْ. وسمعتُ صوتها كأنه ينـزل من السماء، ويحيط بي من النواحي كافة، تطويه رياحٌ وتنشره رياح: -
"يا مريود. أنت لا شيء. أنت لا أحد يا مريود. إنك اخترت جدَّكَ وجدك اختارك لأنكما أرجح في موازين أهل الدنيا. وأبوك أرجح منك ومن جدك في ميزان العدل. لقد أحبَّ بلا ملل، وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر، وأقام على سفر، وفارق على عجل. حلم أحلام الضعفاء، وتزود من زاد الفقراء، وراودته نفسه على المجد فزجرها، ولما نادته الحياة... لما نادته الحياة ..."
قلتُ نعم. قلتُ نعم. قلتُ نعم. ولكن طريق العودة كان أشق لأنني كنتُ قد نسيت.
للأديب الطيب صالح
محجوب قبل خدها وهو يغالب الدموع فتغلبه. وانحنيتُ عليها وقبلت جبهتها، فتشبثت بي وطوقتني بذراعيها، فأحسست بها مثل سرٍ عزيزْ، مثل شيءٍ عسيرٍ مستحيلْ. ذلك العطر. ذلك الشباب. ذلك الحلم. دارت عجلة الزمان القهقرَى، حتى توقفت عند ليلة صيفٍ قمراءْ، ليست من ليالي هذا الزمان ولا هذه الأرض. وسمعتُ حس بكائي كأن أحداً غيري يبكي الدموع التي ظلت حبيسةً كل تلك الأعوام. هذه حصتي من كل شيء. هذا نصيبي وإرثي. مات عنها وتركها لي لتموت على صدري. لعلني لهذا عُدت.
كانت مثل طائر. رفعها محجوب من نعشها فشهق ضوء المصابيح على حافة القبر، وسمعت هبوب أمشير تناديني بلسان مريم "لا شيء .. لا أحد." خطا بها نحو القبر، فاعترضت طريقه ومددت يديَ. نظر إلي برهةً، ورأيت عيناه ترقّان وتغرورقان، فتركها لي. كانت خفيفة مثل فرخ طائر وأنا أسير بها في طريقٍ طويلٍ يمتد من بلدٍ إلى بلدْ ومن سهلٍ إلى جبلْ. لم يكن حلماً. أبداً. كان مريم نائمةً على كتفي. سرتُ بها على ضفة نهرٍ إلى وقت الضحى، فأيقظها لفح الشمس على وجهها. انفلتت مني وقفزَت في الماء. كانت عارية. أشحتُ عنها، ولكنني لم أطق صبرا فأدرتُ لها وجهي. نظرتُ، فإذا هي في بركةٍ من الضوء، وكأن أشعة الشمس هجرت كل شيٍ وتعلقت بجسدها. كانت تغطس وتقلع، وتختفي هنا وتظهر هناك، وتضحك لي من جهة اليمين، ثم إذا هي تناديني من جهة اليسار. نعم. نعم. نعم. أريد أن أغرق في نبع ذلك الضوء الذي ليس من أضواء هذا الزمان ولا هذه الأرض. لكنني ترددتُ، ليس أكثر مما يطرف جفن العين. في تلك اللحظة، عاد الشعاع إلى منبعه، وذهب الطيف، لا أعلم إلى أين. ناديتُ بأعلى صوتي "يا مريوم. يا مريوم." فعاد الصدى مجسماً بألسنةٍ شتىَ "يا مريود. يا مريود." ضربتُ دون هديٍ في صحراء عقبة تُويوي ريحها وتتهايل رمالها، حتى بلغ مني اليأس وأخذ مني الجهد. ثم إذا شجرة طلْحٍ يلمع نوّارُها. تهالكتُ عندها. فجأةً أحسستُ بمريم. بُعيد العشاء أو قُبيل الفجر لا أعلم. لكنني أذكر ظلاماً رهيفاً وضوءاً ينسكب على وجهي من عينيها، شربتُ منه حتى بلغ مني الظمأُ غايته. قلتُ لها: -
"ألا أسيرُ معك؟ فإنني الآن أقوى."
قالت: "لا. أنت تعود أدراجك وأنا أسير من هنا وحدي."
قلتُ: "لكنني ..."
قالت: "إنك لن تستطيع معي صبرا. فوراء هذه البيداء جبال. ووراء الجبال بحر. ووراء البحر لاذا ولاذا. النداءُ لي وحدي. أنت تعود وأنا أمضي."
ثم أخذت رأسي ووضعته في حجرها، وهدهدتني زمناً بصوتٍ كأنه دبيبُ نمالٍ في تلال رمال، وقالت لي: -
"لا تبتئس يا ضوء عيني فإنني لن أبعد. سوف تراني وتسمع صوتي."
قلت وأنا لست أنا "هيهات . هيهات."
حينئذ قبلتني بين عيني، وابتسمت بكل جمال وجهها في وجهي، وقالت: -
"بلَى بلَى يا رمانة قلبي. إذا احتجتني فادعني فسوف أجيء"
قلتُ: -
"هيهات . هيهات."
قالت: -
"ولكن عليك أن تصبر وتُذعن"
قلتُ: -
"إذاً اجعلي لي آيةً"
قالت: -
"آيتك ماء. آيتك ماء. أبداً تتلفت خلفك. آيتك أن تظل يقظان إلى آخر العهد. ستراني وسوف أعينك قدر المستطاع."
"فلأسر معكِ خطواتٍ أُقدِّمكِ."
قالت: -
"لا يا تفاحة فؤادي. هنا مفترق الطرق وإنه الوداع."
عصر الحزن قلبي عصراً، ولم أجد الدمع الذي أُبرِّد به حر جوفي لأنها سلبتني نعمة البكاء.
قلت لها: -
"إذاً زوديني ."
قالت: -
"لا"
قلت: -
"زوديني"
قالت: -
"لا"
قلت: -
"زوديني"
قالت: -
"لا"
قلت: -
"زوديني"
قالت: -
"واحسرتا عليك يا محبوبي. خير الزاد أنا. وإنني مفارقتك من هنا. لا شبع لك من بعدي ولا ري، ولا شفيع ولا نجي. فاضرب حيث شئتْ، وتزود إن استطعتْ واطلب النجاء. إلى أن تلقاني فأعطيك المنَّ والسلوى."
ثم أبعَدَتْ. وسمعتُ صوتها كأنه ينـزل من السماء، ويحيط بي من النواحي كافة، تطويه رياحٌ وتنشره رياح: -
"يا مريود. أنت لا شيء. أنت لا أحد يا مريود. إنك اخترت جدَّكَ وجدك اختارك لأنكما أرجح في موازين أهل الدنيا. وأبوك أرجح منك ومن جدك في ميزان العدل. لقد أحبَّ بلا ملل، وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر، وأقام على سفر، وفارق على عجل. حلم أحلام الضعفاء، وتزود من زاد الفقراء، وراودته نفسه على المجد فزجرها، ولما نادته الحياة... لما نادته الحياة ..."
قلتُ نعم. قلتُ نعم. قلتُ نعم. ولكن طريق العودة كان أشق لأنني كنتُ قد نسيت.