بسم الله الرحمن الرحيم
هذة قصص عن بعض حياة عظماء التاريخ سميت ( من جنون العباقرة )
فرنسيس بيكون Francis Bacon
1561-1626
كان فيلسوفا وسياسيا واديبا من مواليد لندن . صادقة الامير اوف ايسكس ولكنة ما لبث ان خان هذة الصداقة لقاء مبلغ من المال , وصار احد المدعين العامين الذين عينتهم الملكة الزابيث لمحاكمة ايسيكس بتهمة الخيانة العظمى . وقد كانت مرافعات بيكون ذات اثر كبير في الحكم باعدام ايسيكس . ولم تمض ثلاث سنوات حتى اتهم بيكون بالرشوة ولكن عفى عنة دون ان يسمح لة بالعودة الى البرلمان او القضاء . فانصرف عنهما الى الكتابة والفلسفة حيث نال شهرة جديدة .
ولقد كانت شخصية بيكون متميزة بالتناقض العجيب , ذلك انة كان قادرا على وضع مؤلف قيم ككتابه (تقدم العلم )) ثم هو يرأس غرفة التعذيب الخاصة بالبلاط الملكي Exclamation .
ومما يؤثر عنة انة كان في استطاعتة ان يردد من الذاكرة ماورد في كل كتاب من كتية كلمة كلمة .
رينية دكارت Rene Descates
فيلسوف ورياضي فرنسي اشتهر بكتابة (( مقال في المنهج )) الذي كان لة الاثر البالغ في الفكر الغربي . وفية مبدؤة المعورف ((انا افكر اذن انا موجود )) وقد وصل الية بالحدس والاستقراء .
لة عدة اكتشافات هندسية وفزيائية .
شخصية ديكارت من الشخصيات المعقدة غاية التعقيد , فمن الخطأ ان يلتمس لها مفتاح واحد . فهو من (( اصحاب التأمل والنظر )) كما يقول نالبراش , وفارس فرنسي من اهل الفروسية الفكرية كما يقول شارل بيجي , مولع بالمغامرات الذهنية الخالصة , وهو ايضا رجل عمل , محب للحياة ذو عناية بصحة بدنة ورفاهيتة , مشغول بنجاح مذهبة خدمة للانسانية كلها وهو فوق هذا كلة (( سيد)) مهذب ورقيق او ((جنتلمان)) خبير باهل زمانة يحلو لة الحديث مع النساء ولايحجم عن مبارزة الرجال من اجل سيدة يهواها , ثم هو من اهل الاستقراطية الفكرية , يزدري المعارف والمعلومات المستخلصة من بطون الكتب .Smile ... ويخصص بضع ساعات في اليوم للبحوث العلمية , وبضع ساعات في السنة للبحوث الميتافيزيقية او بحوث مابعد الطبيعة . . وكان فوق هذا كلة مسيحيا غير مقصر في اداء فروضة الدينية , ولاننسى انة كان من الحجاج الى نوتردام ودولوريت . وانة تلقى الوحي الاول لفلسفتة في رؤيا مشهورة اعتقد انها من عند الله , وانة احرص الناس على الفرار من اللهو ومشاغل الدنيا , والتماس الهدوء ليتسنى لة التفلسف في محاربية الهولندية .
إسحاق نيوتن 1642-1727
إسحاق نيوتن 1642-1727
إسحاق نيوتن هو أعظم العلماء أثاراً في تاريخ الإنسانية. ولد يوم الكريسماس سنة1642 وهي نفس السنة التي توفى فيها الفلكي الايطالي جاليليو. ولم تظهر عليه ملامح الذكاء وهوطفل ، ولكن ظهرت براعته في قدرته على استخدام يديه. فظنت أمه ممكن ان يكون ملاحاً بارعاً او نجاراً نشيطاً. فأخرجته من المدرسة بعد أن شكا مدرسوه انه لا يهتم كثيراً بما يقولون
رودولف ديزل مهندس ومخترع ألماني
ولد في باريس عام 1850، ومات غرقاَ وهو يعبر بحر المانش في عام 1913 هل تعلم أن المحرك المزود به كثير من السيارات والغواصات وبعض قاطرات السكك الحديدية، كان وليداً لتأمل قداحة صادفها في المدرسة الصناعية بأوبسبرج
لويجي جلفاني طبيب وفيزيائي إيطالي
ولد في بولونيا إيطاليا 1737- 1798 . أدت تجاربه الى اكتشاف العمود الجاف. كان جلفاني يقوم بأبحاث تشريحية . وفي أثناء تشريحه لإحدى الضفادع التي علقت رجلاها الخلفيتين بسلك نحاسي بالنافذة، لاحظ - لدهشته ان الرجلين كانتا تنكمشان كلما حركهما الرياح، ولا مستا سور الشرفة الحديدي كانت مجلفنة وكرر نفس التجربة بطرق مختلفة، وظن أن هذه الظاهرة كانت نتيجة للصدمات الكهربائية التي تحدثها الشحنة الموجودة بالجو، أو بجسم الضفدعة على عضلاتها
بيتر هنلاين - ساعاتي ألماني
ولد ومات بنورمبرج ( ألمانيا ) 1480-1542 اخترع أول ساعة. كان هنلاين يقوم بصناعة وإصلاح الساعات التي كانت تدار في ذلك الوقت " باستخدام ثـقـل موزون. وكان هذا العامل الفني الماهر، يبحث عن قوة أخرى يسهل استخدامها لإدارة الآلة. ونجح في تزويد ساعته بزنبرك، مما جعلها تدور، في جميع الأوضاع
ماركوني مخترع الراديو 1874-1937
اسمه جويلمو ماركوني مخترع الراديو . ولد في مدينة بولونيا بإطاليا سنة 1874. من أسرة غنية وقد تعلم في بيته. وعندما بلغ العشرين من عمره قرأ تجارب هنيريش هرتس التي قام بها قبل ذلك بسنوات . وتجارب هرتس قد أثبتت وجود موجات غير مرئية كهربية مغناطيسية. هذه الموجات تتحرك في الهواء بسرعة الضوء
لوى داجير مخترع الكاميرا 1787-1851
أنه لوى جاك مندى داجير، وهو واحد من الذين استطاعوا أن يطوروا التصوير الفوتوغرافي سنة 1830 ومابعدها. ولد في سنة 1787 في مدينة كورجى شمال فرنسا ، وقد بدأ حياته رساماً ، وفي الثلاثين من عمره اخترع طريقة لعرض اللوحات الفنية مستخدماً أسلوباً معيناً في الاضاءة ، وعندما كان مشغولا بهذا الفن حاول ان يجد طريقه لنقل مناظر الطبيعة بصورة آلية - أي تصويرها وليس رسمها
بيكريل مكتشف الاشعاع 1852-1908
انطوان هنري بيكريل مكتشف الاشعاع. ولد في باريس بفرنسا سنة 1852 حصل على الدكتوراه سنة 1888 وفي سنة 1892 أصبح استاذ الفيزياء التطبيقية في متحف التاريخ الطبيعي بباريس. ومن الطريف أنه شغل منصب أبوه وجده لتدريس الفيزياء، وكذلك فعل ابنه من بعده
إسحاق نيوتن هو أعظم العلماء أثاراً في تاريخ الإنسانية. ولد يوم الكريسماس سنة1642 وهي نفس السنة التي توفى فيها الفلكي الايطالي جاليليو. ولم تظهر عليه ملامح الذكاء وهوطفل ، ولكن ظهرت براعته في قدرته على استخدام يديه. فظنت أمه ممكن ان يكون ملاحاً بارعاً او نجاراً نشيطاً. فأخرجته من المدرسة بعد أن شكا مدرسوه انه لا يهتم كثيراً بما يقولون
رودولف ديزل مهندس ومخترع ألماني
ولد في باريس عام 1850، ومات غرقاَ وهو يعبر بحر المانش في عام 1913 هل تعلم أن المحرك المزود به كثير من السيارات والغواصات وبعض قاطرات السكك الحديدية، كان وليداً لتأمل قداحة صادفها في المدرسة الصناعية بأوبسبرج
لويجي جلفاني طبيب وفيزيائي إيطالي
ولد في بولونيا إيطاليا 1737- 1798 . أدت تجاربه الى اكتشاف العمود الجاف. كان جلفاني يقوم بأبحاث تشريحية . وفي أثناء تشريحه لإحدى الضفادع التي علقت رجلاها الخلفيتين بسلك نحاسي بالنافذة، لاحظ - لدهشته ان الرجلين كانتا تنكمشان كلما حركهما الرياح، ولا مستا سور الشرفة الحديدي كانت مجلفنة وكرر نفس التجربة بطرق مختلفة، وظن أن هذه الظاهرة كانت نتيجة للصدمات الكهربائية التي تحدثها الشحنة الموجودة بالجو، أو بجسم الضفدعة على عضلاتها
بيتر هنلاين - ساعاتي ألماني
ولد ومات بنورمبرج ( ألمانيا ) 1480-1542 اخترع أول ساعة. كان هنلاين يقوم بصناعة وإصلاح الساعات التي كانت تدار في ذلك الوقت " باستخدام ثـقـل موزون. وكان هذا العامل الفني الماهر، يبحث عن قوة أخرى يسهل استخدامها لإدارة الآلة. ونجح في تزويد ساعته بزنبرك، مما جعلها تدور، في جميع الأوضاع
ماركوني مخترع الراديو 1874-1937
اسمه جويلمو ماركوني مخترع الراديو . ولد في مدينة بولونيا بإطاليا سنة 1874. من أسرة غنية وقد تعلم في بيته. وعندما بلغ العشرين من عمره قرأ تجارب هنيريش هرتس التي قام بها قبل ذلك بسنوات . وتجارب هرتس قد أثبتت وجود موجات غير مرئية كهربية مغناطيسية. هذه الموجات تتحرك في الهواء بسرعة الضوء
لوى داجير مخترع الكاميرا 1787-1851
أنه لوى جاك مندى داجير، وهو واحد من الذين استطاعوا أن يطوروا التصوير الفوتوغرافي سنة 1830 ومابعدها. ولد في سنة 1787 في مدينة كورجى شمال فرنسا ، وقد بدأ حياته رساماً ، وفي الثلاثين من عمره اخترع طريقة لعرض اللوحات الفنية مستخدماً أسلوباً معيناً في الاضاءة ، وعندما كان مشغولا بهذا الفن حاول ان يجد طريقه لنقل مناظر الطبيعة بصورة آلية - أي تصويرها وليس رسمها
بيكريل مكتشف الاشعاع 1852-1908
انطوان هنري بيكريل مكتشف الاشعاع. ولد في باريس بفرنسا سنة 1852 حصل على الدكتوراه سنة 1888 وفي سنة 1892 أصبح استاذ الفيزياء التطبيقية في متحف التاريخ الطبيعي بباريس. ومن الطريف أنه شغل منصب أبوه وجده لتدريس الفيزياء، وكذلك فعل ابنه من بعده
[CENTER]
انطوان هنري بيكريل مكتشف الاشعاع. ولد في باريس بفرنسا سنة 1852 حصل على الدكتوراه سنة 1888 وفي سنة 1892 أصبح استاذ الفيزياء التطبيقية في متحف التاريخ الطبيعي بباريس. ومن الطريف أنه شغل منصب أبوه وجده لتدريس الفيزياء، وكذلك فعل ابنه من بعده
[COLOR="Red"]جاليليو مكتشف علم الفلك 1564-1642
جاليليو جاليلى هو العالم الإيطالي والمسؤل الأول عن تطوير المناهج العلميه أكثر من أي انسان آخر . ولد في مدينة بيزا سنة 1564 . ودرس في جامعاتها ثم توقف عن إكمال دراسته لأسباب مالية. ورغم ذلك فقد حصل على وظيفة مدرس في الجامعة في 1589 وبعدها بسنوات التحق بالتدريس في كلية بادوا وظل هناك حتى سنة 1610 وفي تلك الفترة أنتج أعظم أعماله العلمية
الإخوان رايت
هذان الأخوان حياتهما متشابكة ومترابطة، ولذلك سوف يكون الحديث عنهما معاً كأنهما شخص واحد. فدخولهم عالم الخلود جاء في خطوة واحدة، وكلاهما تعلم في المدارس الإبتدائية والثانوية، وإن لم يحصلا بعد على أية مؤهلات عالية. وكلاهما موهوب في الفنون الميكانيكية، وكلاهما مشغول بالطيران أو بطيران الإنسان، وفي سنة 1892 افتتحا دكاناً لبيع الدرجات وقطع الغيارها. وقد ساهم هذا الدكان في تمويل مشروعهما الذي يحلمان به. وقد قرأ الاثنان مؤلفات أناس آخرين انشغلوا بالطيران مثل: أوفو ليلنتال وأو كتاف وصمويل لانجلي
يوهان جوتنبرج مخترع الطابعة 1400-1468
أيهما يستحق أن يجىء أسبق في ترتيب : تسى آى لون أو هذا المخترع الألماني جوتنبرج؟ إن جوتنبرج قد اخترع الطباعة .. أو على الأصح قد أخترع الحروف التي توضع الى جوار بعضهم البعض، ثم يوضع فوقها الورق ثم يضغط عليه فتكون الصحيفه المطبوعة. إن يكون عظيما لو لم يكن هناك ورق. فالورق يجئ قبل الطباعة. ومخترع الورق أسبق في سلم العظمة من مخترع الطباعة
تسى آى لون مخترع الورق 105
هذا الرجل هو الذي اخترع الورق، ولم يرد اسمه كثيراً في الموسوعات الكبرى ولكن ليس معنى ذلك أنه نكرة . أو لم يكن له وجود حقيقي . ولكن تسى آى لون كان موظفاً بالبلاط الإمبراطوري الصيني. وانه بسبب اختراعه للورق قد لقى الكثير من التقدير الإمبراطوري العظيم
إدوارد جنر مكتشف اللقاح 1749-1823
إنه الطبيب الإنجليزي الذي أفلح في تطوير أساليب التلقيح كإجزاء وقائي ضد الجديري
رنتجن مكتشف الاشعة السينية 1845-1923
إنه فلهلم كونراد رنتجن مكتشف الأشعة السينية، وقد ولد في سنة 1845 في مدينة لينب بألمانيا. حصل على دكتوراه الفلسفة سنة 1869 من جامعة زيوريخ بسويسرا. وفي الـ19 عاماً التالية اشتغل في جامعات مختلفة ، عالماً من العلماء النابهين. وفي سنة 1888 عين أستاذاً للفيزياء ومدير لمعهد الفيزياء في جامعة فير تسبورج وفي هذا المعهد اكتشف زنتجن أشعة أكس ( الأشهة السينية ) سنة 1895. هذا الا كتشاف هو الذي جعله شهيراً في التاريخ
ليستر مخترع التعقيم 1827-1912
هو يوسف ليستر الجراح البريطاني الذي اخترع التعقيم في عمليات الجراحة، وقد ولد في ابتون بإنجلترا سنة 1827. وفي سنة 1852 حصل على درجة طبية من جامعة لندن .. وكان طالباً متوفقاً. وفي سنة 1861 أصبح جراحاً في مستشفى جلاسجو الملكي. وفي هذا الوقت اهتدى ليستر الى استخدام التعقيم والتطهير أثناء العمليات الجراحية
وليم هارفي مكتشف الدورة الدموية 1578-1657
إنه الطبيب الإنجليزي الذي اكتشف الدورة الدموية، ووظيفة القلب، ولد سنة 1578 في مدينة فولكستون
[SIZE="5"]وليم مورتون مكتشف التخدير 1819-1868
ربما كان هذا الاسم غريباً على آذان الناس، ولكن هذا الرجل كان أعمق أثراً من كثيرين من المشاهير لأن هذا الرجل هو المسؤل الأول عن إدخال التخدير في عمليات الجراحية
ليفنهيك مكتشف الميكروبات 1632-1723
هو انطواني فان ليفيك الذي اكتشف الميكروب. وقد ولد في مدينة دفنت سنة 1632 بهولندا، أرته متوسطة وأمضى حياته كلها موظفاً صغيراً قي الحكومة. أما سبب اكتشافه للمكروب فلأنه كان هاوياً للنظر في الميكروسكوب ولم يكن من السهل في ذلك الوقت شراء الميكروسكوب من المحال العام. ولذلك قام بتركيب ميكروسكوب لاستعماله الخاص. ولم يتعلم صناعة العدسات ولا عرف فن جلاء الزجاج تمهيدا لصناعة العدسة المناسبة. واستطاع ليفنهيك عن طريق تركيب العدسات بعضها فوق بعض أن يحصل على كفاءة للابصار ليست في استطاعة أي ميكروسكوب مستخدم في ذلك الوقت . ومن بين العدسات التي صنعها واحدة كانت قادرة على تكبير الأشياء 270 مرة وهناك مايدل على أنه صنع عدسات ذات قدرة على تكبير الأشياء أضعاف ذلك
من عظماء هذه الامة
الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه
هل فكرت مع نفسك يوماً و سألتها هذا السؤال: من هو عمر بن الخطاب؟ و من هو هذا الرجل الذي تحلى بأمر خلافة رسول الله صلى الله عليه و سلم فبات خليفة لله أيضاً؟ و من هي هذه الشخصية التي مازالت إلى يومنا هذا تؤثر في حياة الملايين من الناس في العالم؟ و ما الذي جعلني آخذ عنه ديني عبر كلماته و مروياته؟ هل لأنه صحابي من صحابة النبي،أم لأمر أعظم من ذلك؛ لأنه ثاني الخلفاء الراشدين بعده و الذي ما حكم أحد بمقدار ما حكم الفاروق؟ و ما الذي يميّز هذه الشخصية عن غيرها من الصحابة الأجلاء؟ و أليس من الجدير بنا أن نتعرف عليه أكثر؟...
((اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك ، أبي الحكم بن هشام ، وعمر بن الخطاب))
رسول الله صلى الله عليه وسلم
الفاروق أبو حفص ، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي ، ولد
بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ( 40 عام قبل الهجرة ) ، عرف في شبابه بالشـدة
والقـوة ، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه
قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم000وأصبح الصحابي
العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات وأول من لقب بأمير المؤمنين0
المقداد بن الأسود
انه المِقداد بن عمرو، المعروف بابن الأسود الكنديّ.
كنيته أبو عمرو، وقيل: أبو معبد، ولقبه ( البهرانيّ ) نسبةً الى قبيلة ( بهراء ) التي كانت تعيش في ارض قريبة من اليمن، اسمها حضرموت، ولذالك لُقّب بالحضرميّ أيضاً.
يشدّ الفتى المِقداد رحاله إلى مكّة، وفيها يتّصل « بالأسود بن عبد يغوث الزهريّ »، فينزل عنده آمناً مطمئنّاً.
وتمضي أيام، واسابيع.. ويُعجب « الأسود » بفتاه إعجاباً شديداً، ويرى في المقداد فتى عالي الهمّة، متّقد الذهن، سريع الخاطر، ترتسم على مُحيّاه الصارم علائم النّجابة والفطنة، والعزيمة التى لا تلين، والارادة الصلبة التي لا تنثني، وتلتمع عيناه السّوداوان ببريق أخّاذ، ممّا ينبئ بمستقبل له عظيم ..
فيتبنّاه، ويعرفه الناس منذئذ بالمقداد بن الاسود، و هذا شيء طبيعي جداً حينذاك. ويشبّ الفتى، ويبلغ السادسة والعشرين من سنينه، إنّه في عنفوان الشّباب، وفي قمّة العطاء.
وفي هذا الوقت يعلن النبيُّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم دعوته للناس، وينتشر الاسلام ديناً جديداً على كلّ شفه ولسان، ويصبح حديثَ مكّة وما حولها من القرى. ويسارع المقداد إلى إعلان إسلامه، وقد وجد في الدين الحنيف ضالّته المنشودة.
وهكذا كان المقداد احد السّبعة الذين كانوا أوّلَ مَن أظهر الاسلام ونصروه، فانتصر بهم.
وكان لابدّ للمقداد أن يلاقي الكثير من أذى قريش وتنكيلها، واضطهادها. فتحمّل الأذى، وصبر على العذاب، وله في النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أُسوةُ حسنة، وله في الكثير من الصّحابة الكرام المضطهدين جميل العزاء.
وكان لا يزداد على الأذى والعذاب إلاّ صلابةً في العقيدة وإيماناً راسخاً على المبدأ، كالذّهب، تصهره النّار، فيزداد صفاءً ونقاء.
ويأتي أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بالهجرة إلى الجشة، فيهاجر المقداد اليها مع الدّفعة الثانية من المهاجرين، ويبقى فيها مدّة، يعود بعدها الى بلده الجديد الحبيب، مكة، متابعاً جهاده، وباذلاً جهوده في سبيل نصرة الدين الحنيف، بصمت، ودأب، وصبر، وعزيمة لا تلين.
ويشتدّ أذى قريش، ويلاقي المسلمون في مكّة أهوالاً، ويتحمّلون ما لا تتحمّله الجبال، ويصبرون ما وسعهم الصبر، وعندما يُحدق الخطر بهم جميعاً، فيخافون على دينهم، وعلى انفسهم، يهاجر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى يثرب ( المدينة المنوّرة )، ويأمر اصحابه القادرين بالهجرة اليها.
ويشاء الله أن يبقى المقداد في مكّة على أن يلتحق بصحبه في المدينة، ولكن في وقت آت! ..
ويتساءل المقداد: متى اللّحاق بالأحبّة، محمّد وصحبه؟! .. ويأتي الجواب: اصبر صبراً جميلاً، فعسى أن يكون ذلك قريباً أن شاء الله! .
ويتعاظم أمر الاسلام، وينتشر بسرعة كالنار في الهشيم، وترى قريش في ذلك خطراً متفاقماً يهدّد مصالحها وسيادتها، وعبادةَ أوثانها.
وينبري أبوجهل يحرّض قريشاً على التصدّي للخطر الدّاهم، الذي هو الاسلام. وتستجيب قريش للنداء، وتجهّز مئتَيْ مقاتل بقيادة عكرمة بن أبي جهل، ترسلهم باتّجاه المدينة للقضاء على الإسلام والمسلمين.
ويبلغ النبيَّ الخبر، فيهيّئ من رجاله ستّين مقاتلاً بقيادة أبي عبيدة بن الحارث، ويأمرهم بالتصدّي لجيش قريش. وفي اليوم الثاني يترآى الجيشان، وقُبَيل احتدام المعركة ينحاز المقداد وعتبة بن غزوان الى معسكر المسلمين، وكانا في جيش قريش ـ فيغضب عكرمة بن أبي جهل لذلك غضباً شديداً .. ويتراشق الفريقان بالنّبل، وتدور معركة قصيرة بين الفئتين، يولّي المشركون على أثرها الأدبار، هاربين.
ويفرح المسلمون بانتصارهم فرحاً شديداً، ويتضاعف فرحهم بعودة المقداد وصاحبه اليهم في الوقت المناسب، ويعودون الى المدينة تسبقهم إليها البشائر بالنّصر، وعودةِ المقداد! ...
وفي المدينة المنوّرة يحفّ المقداد وكرام الصحابة بالرسول الأعظم، ويناديه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمقداد بن عمرو، بعد نزول آية:
أُدْعوهُم لآبائِهم هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ الله
فأبوه مَن وَلَده، لا مَن تبنّاه، والانتساب بالتالي اليه. ويصبح المقداد مع زمرة يسيرة من الصحابة، من خاصّة المقرّبين إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وصحابياً جليلاً يُشار اليه بالبَنان! ..
وتتسامى شخصية المقداد رضوان الله عليه وقد أثّر فيها الدين الحنيف أثرَه البالغ، وطبعها بطابع إيمانيٍّ عذب رقيق، فهي متوجّهة إلى المولى عزّوجلّ بكلّ شؤونها .. ترضى لرضاه، وتغضب لغضبه، وتستسلم لمشيئته. ولذلك ـ وهذا امر طبيعيّ ـ نراه في طليعة المبادرين الى نصرة الدين، والدفاع عن رسول صلّى الله عليه وآله، فاذا ما ثارت حرب كان في طليعة فرسانها.
وها هو ذا في معركه بدر الكبرى يخوضها، مسجّلاً مع إخوانه الأبطال المؤمنين أوّلَ انتصار حاسم للاسلام والمسلمين. وتَذْكر الروايات بأنّه أوّل مَن قاتل على فرس في سبيل الله تعالى.. وقد دعاها بالسّابحة، لسرعة عَدْوها واصالتها.
وقبل أن تبدأ المعركة هذه، ينظر المسلمون الى الاعداد والعداد الزاحفة اليهم من قريش، وتتّضح لهم خطورة هذه المعركة، فالفرق شاسع وكبير بين جيش المسلمين القليلي العَدد والعُدّة، وجيش المشركين الذي يبلغ قرابة الألف، بينهم مائة فارس، ومئات الإبل تحمل العدّة والمؤونة والمسعفات والمسعفين. ويستطلع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم رأيَ أصحابه: ماذا تَرَون؟ ..
ويجيب أحدهم مقترحاً العودة والانسحاب، فالمعركة في رأيه انتحارية.
ويتبعه بهذا الرأي آخر، فالمعركة غير متكافئة، والنصر فيها شبه مستحيل.
وسرعان ما تنقشع هذه السحابة العابرة من التوهّم، وقد انبرى المقداد قائلاً بصوت هادر بالايمان واليقين:
« يا رسول الله، إمضِ لما أراك اللهُ فنحن معك، واللهِ لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنّا هَاهُنا قَاعِدُونَ ولكن:
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا أنا معكما مقاتِلون.
فَوَالذي بعثك بالحق، لو سِرتَ بنا الى « بَرْكِ الغمِاد » ( موضع بناحية اليمن ) لَجالَدْنا ( قاتلنا ) معك من دونه حتّى تبلغَه! ... »
ويُشرق وجه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يستمع الى هذا القول الصادق، فيدعو للمقداد بالخير! ...
ويكون لهذا القول تأثيره العميق في نفوس سامعيه.. وتنجلي المعركة عن نصر كبير حاسم يحرزه المسلمون.. وانهزم المشركون وهم يجرّون وراءهم أذيال الخيبة والذّل والعار.
ولكن، هل تسكت قريش عن هذه الهزيمة النّكراء ؟!
لا.. لن يطول سكوت قريش، وها هي ذي تُعدّ الُعدّة من جديد، لتنتقم لقتلاها في معركة بدر، وقد فقدت فيها الكثير من ابطالها وخيرة فرسانها.. وتكون « معركة أُحُد ».
ويعبّئ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم جيشه للقتال، ويرصّ الصّفوف، واضعاً المقداد رضوان الله عليه على رأس مَيْسرة الجيش.
وتنتهي المعركة هذه بما يشبه البلبلة فى صفوف المسلمين، وقد كرّ عليهم « خالد بن الوليد » من ورائهم .. وكان حينئذ على رأس جيش المشركين، فينهزم المسلمون، ويثبت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويثبت معه بضعة عشر رجلاً يحوطونه بسيوفهم واجسادهم، أحاطةَ السّوار بالمعصم، وَيقُونه بأنفسهم.
وكان المقداد رضوان الله عليه في مقدّمة هؤلاء الابطال الثّابتين الصّادقين، في موقف عصيب قلّ فيه الناصر، ويتنادى المسلمون للعودة الى ساحة المعركة، فالرسول وصحبه يخوضون غمارها، فيعودون، ولكني بعد أن كادت أن تضع الحرب أوزارها وبعد فوات الأوان! ..
وتمضي الأيّام، وتكرّ الأعوام.. والمقداد يزداد من النبيّ قُرباً، فيزداد النبيُّ له حبّاً، فيقول صلّى الله عليه وآله وسلّم:
« أنّ الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنّه يُحبّهم:
عليّ والمقداد وأبي ذرّ وسلمان ».
وفي مناسبة ثانية يقول فيه: « مِقداد منّا .. ».
ويؤاخي الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم بينه وبين « جبر بن عتيك »،
إنّما المؤمنونَ إخوة . ويلتحق صلوات الله عليه وآله بالملأ الأعلى، وهو عن هؤلاء راضٍ كلَّ الرضى.
ويكون ما كان بعد ذلك:
حيث تبرز المطامع، وتثور الأحقاد، ويُحال بين الإمام عليّ عليه السّلام والخلافة، فيسكت على مضض « وفي العين قذىً وفي الحَلْق شجى » ـ كما يقول عليه السّلام ـ وينفضّ الناس عنه، وهو مَن هو عِلماً وتقوى وشجاعة وقُربى من الرسول .. فيصبر، كما أوصاه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وعهد اليه .. ويلتفت حواليه، فأين الصحاب؟!
ويجتمع حواليه نفر قليل، لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة.. وفي طليعتهم هؤلاء الثلاثة الذين أحبّهم الله و أمر رسولَه بحبّهم: المقداد، وأبو ذرّ، وسلمان! ..
ويدور هؤلاء الثلاثة في فلك الإمام عليّ عليه السّلام، فهو من الحق كالقطب من الرحى، وهم أتْباع الحق يطلبونه أنّى كان، ويدورون معه كيفما دار! ...
أمّا بالنسبة للمقداد خاصةً فهو ينفرد عن صاحَبيه بالتسليم لما قضى الله وأراد في شأن الإمام عليّ عليه السّلام، وابتلائه العظيم.
تطالعنا بعض الروايات، حول هذا الموضوع بالذات، بأنّ الحيرة تطرّقت الى قلب سلمان الفارسيّ وهو يرى الإمامَ عليه السّلام يُقيَّد بحمائل سيفه ويُؤتى به الى المسجد مغلوباً على أمره. فقال سلمان ساعتئذ في نفسه:
إننّا نعهد علياً يعرف اسم الله الأعظم، الذي أن دعا به على الجبال اندكّت، أو على الأرض ساخت بأهلها، وها هو ذا يُقاد عاجزاً لا حول له ولا طَول، فهل عجزتَ يا أبا الحسن؟! أوَ لا دعوتَ على هؤلاء القوم فتطبق عليهم الارض ويُريدُ اللهُ أن يُحقَّ الحقَّ بِكَلماتِهِ، وَيقطعَ دابِرَ الكافرين ..
أمّا ابوذر الغِفاريّ رضوان الله عليه، فكان يحزن حزناً شديداً أمام هول ما يرى وما يحلّ بالامام العظيم، وكان لا يصدّق عينَيه بما تشاهدان، فلا يتمالك نفسه، ولا يجد تفسيراً لما يرى ويسمع، فيأمره الإمام عليه السّلام بالصّبر، فالعاقبة للمتّقين.
وأمّا المِقداد رضوان الله عليه فكان أشدَّ تسليماً لله صبحانه، وهو يرى إمامَه وإمام المسلمين يُفعَل به ما يُفعل، وهو صابر محتسب، فـ للهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، وله الخِيَرة، وهو الفعّال لما يريد.
وضمن هذا الاطار قال الإمام الباقرعليه السّلام لأبي بكر الحضرميّ:
« إن أردتَ أن تعرف شخصاً لم يتطرّق الشّكُّ إلى قلبه ولم يدخل فيه، فاعلم أنّه المِقداد! »
إنِ الحُكمُ إلاّ حُكمك، لك الأمر في الدنيا وفي الآخرة وإليك المصير! ...
وهكذا كان المقداد أقربَ الصاحبة إلى أمير المؤمنين عليٍّ عليه السّلام، وأشدَّهم به تمسّكاً ووثوقاً وايماناً.
لم يشكّ في إمامة عليٍّ اميرالمؤمنين عليه السّلام، أوأحقّيته بالخلافة، طرفةَ عين، فما زاغ قلبه أمام جبروت الظالمين وسلطانهم، لا تأخذه في الله لومة لائم. ولطالما كان يتمنطق بسيفه، ويأتي إلى امير المؤمنين عليه السّلام واضعاً نفسه في خدمته، وتحت تصرّفه.
وتقرّ نفس الإمام عليه السّلام بهؤلاء الخُلّص من الصّحب والأعوان .. بهؤلاء الحواريّين، والمقداد في طليعتهم، لا يرضَون عن الحقّ بديلاً !
وهو عليه السّلام لم ينس للمقداد موقفه حين قال: « واللهِ لو اجتمع معي اصحاب ينصرون، لقاتلت اليوم أعداءَ عليٍّ كما قاتلتُ يوم بدر وأُحُد ».
كان المقداد أحَدَ حَواريّيي أمير المؤمنين الأُوَل!
له بين الصاحبة المنزلة الرفيعة، والدرجة العالية.
وله فى نفوس أهل البيت ومحبيهم، المقامُ الرفيع.
وقد أجمعت الروايات عن أهل البيت عليهم السّلام، وَرَثةِ الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وخَزَنةِ علمه، وأمناءِ وَحْيه، بأنّ المقداد رضوان الله عليه سيظهر مع الإمام المهديّ نصيراً، كما سيظهر وإيّاه: سلمان الفارسيّ، وأبو دُجانة الأنصارىّ، ومالك الأشتر، ورهطٌ من قوم موسى عليه السّلام .. وفي هذا كرامة ما بعدها كرامة.
ويذكر التاريخ بأنّ المقداد ظلّ وفياً لنبيّه ولإمامه حتى الرمق الأخير، وتوديعِه الحياةَ الدنيا هذه وقد ناهز السبعين من عمره، الى جنّة الخلد ونعيمٍ لا يَفنى ! ...
عمّار بن ياسر
القافلة تحمل من البضائع صنوفاً وألوانا كثيرة،..
ويرتفع صوت الحادي فتجدّ الإبل بأحمالها الثقيلة متوجهة بها من اليمن إلى مكّة، والصحراء أمامها واسعة واسعة، والدّرب لا تكاد تبين، وقد عبثت بها رياح الجنوب والشمال، ولولا الدليل، علم الله، لتاه الركب، وضلت القافلة طريقها في دروب الهلاك، والتماع السراب!..
ويلتفت « ياسر بن عامرٍ » إلى أخويه ـ وقد التحقوا بالقافلة، واصطحبوا تجّارها إلى مكّة ـ قائلا لهما: أتَرَيان أننا سنجد أخانا المفقود ؟
فلا يسمع منهما جواباً، ويخيّم صمت ثقيل.. وتشرد أفكار الإخوة الثّلاثة وراء أخيهم، الذي انطمست معالم أخباره. فإن وجدوه بمكّة حيث يقصدون، فقد فازوا، والله، وإلا.. وتملأُ الوساوس والهواجس عقولهم ومخيلاتهم، وعبثاً يحاولون طردها، فلا يستطيعون!
وتصل القافلة مكة. فلك الحمد اللهم.. ويقدّمون لآلهة الكعبة القرابين وقد منّ الله على الجميع بسلامة الوصول. ولا ينسون « هُبَلَ » فله من هذه الأضاحي كل سمينٍ!.
ولايضيّع الإخوة الثلاثة من وقتهم، إلا قدر ما يستريحون به من وعثاء السفر، ومشقة الطريق، ويتجولون في أسواق مكة، سائلين عن أخيهم كلَّ من يصادفون ومن يلقون في طريقهم، ولايتركون حياً من أحياء البلد الحرام إلا ونقّبوا عن أخيهم فيه تنقيباً، والجواب واحد:
ـ لا علم لنا به والله!. ويخيب بذلك الأمل، وينقطعُ الرجاء.
ويُقْبل الأخوان على ياسر أخيهما قائلَين، وهما يَصْفقان كفاً بكفٍ:
ـ هلُمّ أخانا نعودُ، فلا أمل هنا أن نجد مَن فَقَدْنا.
وتجحظ عيناهما، وهما يستمعان الردّ:
ـ إن أردتما العودة، فشأنكما، أما بالنسبة لي، فقد وطّدت العزم على البقاء في مكة، ومجاورة بيت الله الحرام، حتى يقضي الله أمره.
ويحاول الأخوان ثني أخيهما عن عزيمته، فلا يفلحان،..
ويغادران مكة، ويودّعان ياسراً، وفي الحلق غصة، وفي العين دمعة!
ويُقبل ياسر على حياته الجديدة، في مكة أمّ القرى، ويهوله هذا الثراءُ الواسع، وسلطان هؤلاء التجّار العظام، وهذا العدد الهائل من العبيد، يكدحون ويشقَون في خدمة أسيادهم، ولولا نطقهم لظننتهم من العجماوات!.
وتجرّه قدماه إلى « أبي حُذَيفة » فيجيره، ويصبح ياسر وكأنّه أحد أفراد بني مخزوم! ويعمل ياسر في خدمة « أبي حذيفة » مخلصاً، حتى التفاني، فيكافئه على ذلك بتزويجه من جاريته « سُميّة » التي ستنجب له « عماراً » بطل قصتنا هذه. وما أدراك مَن عمّار!
وفي دار« أبي حذيفة » يشبّ الفتى، يافعاً، صلب العود، صعب المراس، ويتطلّع الأبوان ـ ياسر وسمية ـ إلى عمارٍ، إنه، ماشاء الله، ملءُ العين والقلب.. فيعوّذانه بالتّمائم، ويحوطانه بالدعوات الصالحات. ويهمس ياسر في أذن زوجة « سمية »: ألا ترين بأنّ لابنِنا « عمار » شأنا يا سميّة ؟ فتجيب: إنه لكذلك والله!.. وإن قلبي ليحدّثني بذلك. وما كان قلب الأم إلاّ صادقاً!.
وينتشر الاسلام في ربوع مكّة، وما حولها من القرى.
ويطير اسم النبي القرشي محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم على كل شفة ولسانٍ. ويتهامس الناسُ:
ألا ترون إلى صدقه، وإلى أمانته، وإلى حيائِهِ الجمّ ؟!
ألا ترون إلى ما أتى به من عبادة الله الواحد الأحد، ونبذ الأصنام، والإيمان باليوم الآخر، والأمر بكل ما هو جميل وكريم، والنهي عن كل ما هو قبيح وممقوت ؟!
وهذا القرآن الذي يتلوه، ألا ترون إلى إعجازه، وبيّناته ؟!
ويستمع عمار إلى ذلك كلّه، فيبهره هذا الدين الحنيف، ويلتقي بالنبيّ فلا يرى على سيمائه إلا مخايل الصدق، وعلائم الإيمان والتقوى. فيؤمن به، ويعلن اسلامه ويدعو أبويه إلى الإسلام، فيُسلمان!
ويتهافت على الإسلام كلّ أفراد هذه الطّبقة من المعذّبين والمقهورين والمستعبدين، ويرون فيه خلاص أنفسهم من ذلّ العبودية.
ويجنّ جنون قريش، وهي ترى انتشار الإسلام. فتلجأ إلى كل وسيلة لحسر موجة الإسلام، ويأبى اللهُ إلاَّ أن يُتِمَّ نُورَهُ، وَلَوْكَرِهَ الْكَافِرونَ ويكون التعذيب نصيب هؤلاء المسلمين الصابرين.
ويقوم « أبوجهل » عدوّ الإسلام الأول، بتعذيب « ياسر » و « سميّة » و « عمّار »، فيستشهد الأبوان تحت وطأة التعذيب والتنكيل، وهما يرفعان سبّابتيهما قائلَين: « أحد!.. أحد!.. » ـ إشارة إلى الإيمان بوحدانيّة الله تعالى ـ وتفيض روحاهُما الطاهرتان في رمضاء الصحراء، و « عمّار » ينظر إلى ذلك كلّه، متحفّزاً ليوم ينتقم فيه من الطّغاة المتجبّرين، فيشدّ الله من عزيمته، ويمدّه بالصّبر، وينتصر الدم على السيف!. ويُطلَق سراح عمار بعد أن استعمل التقيّة لينجو من قبضة الجلاّدين!..
وتضيق مكة على المسلمين بما رحبت، فيأمرهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالهجرة. ويهاجر عمّار مع من هاجر إلى المدينة، حيث الأخوة بالدين والدنيا، والمؤاخاة بين المسلمين كافة، ويؤاخي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بينه و بين « حُذَيفة بن اليمان » ويقرّبه الرسول بين يديه، وفي مجلسه، وقد وجد فيه صفاء الباطن والظاهر ويلقّبه بـ «الطيب المطيب» و يا لَهذا اللّقب الكريم الجميل يطلقه عليه الرسول. وعند ما يشاع بأن عماراً مات أو قُتل.. ينتفض الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وكأنه يقول: لا، ولكن « ستقتله الفئة الباغة ». وينظر المسلمون بعضهم إلى بعضٍ.. فمن هي يا تُرى هذه الفئة التي تستبيح دماءَ الصحابي الجليل أبي اليقظان، عمار بن ياسر ؟!
وهكذا أصبح عمار بن ياسر رضوان الله عليه ميزاناً من موازين الحق، ومعياراً من معاييره. ولم يتخلف الصحابي الجليل عمار عن المشاهد ( أي: المعارك ) أبداً، وإن دماءه لتفور نُصرةً لله، ودينه، فما أن شبّت « معركة بدر » حتى خاض غمارها، وأبلى بلاءً حسناً، وجال بين المقاتلين وصال، وهو يتمتم:
ـ أين أنت يا أباجهل ؟!
ويلتقي بطاغوت قريش، وقد خرّ صريعاً، فيبرك على صدره لحتز رأسه، وإنه بذلك ليتحز رأس الشرك والطغيان والطاغوت الأكبر، وإنه بذلك لينتقم لله ولرسوله وللمؤمنين، ولأبويه أيضاً!
وتثور موقعة « أُحد »، فيروي عمّار سيفه من دماء المشركين. وعندما ينكشف المسلمون من حول النبي، ويفرّون، يثبت عمار مع القلّة التي باعت نفسها لله، يذود عن النبي، ويفتديه بنفسه..
ويلتحق النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى جوار ربه الكريم. وكان عمار بافتقاده حبيبَه محمداً صلّى الله عليه وآله وسلّم من المفجوعين.. فبكاهُ بكاءَ الثّكالى. امتلأ قلبه حزنا وأسى، فبعَدَ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم على الدنيا العفاء!
و في لحظةِ حساب وتأمل، يستعرض الصحابي الجليل حياته:
بدءاً من سنيّه المبكرة عند أهله، فرحيله إلى مكة مع شقيقَيه، فاتصاله بدار « أبي حذيفة المخزومي » إلى إعلان إسلامه، وما لاقى من اضطهاد في سبيل ذلك، وتنكيل، إلى شهوده « بيعةَ الرّضوان » مع التسعة من إخوانه المسلمين، تحت الشجرة، ويفترّ ثغره عن ابتسامة رقيقة وهو يتلو الآية الكريمة: لقَدْ رَضِيَ الله عنِ المُؤمنين إذ يُبايعونَك تحت الشجرة ، وتطير به أفكاره إلى الهجرة، فكان في طليعة المهاجرين، الهاربين بدينهم إلى « المدينة المنوّرة » حيث وجدوا هنالك الأهل والإخوان والديار.
ويستعيد بذاكرته موقعة « بدر الكبرى » حيث شفى الله قلبَه من القوم الكافرين وأمكنه من طاغوتهم الجبار.. « فموقعة أحد »، وقد ثبّت الله جَنانه في وقت انخلعت فيه القلوب، فذبّ ( أي: دافع ) عن رسول الله بسيفه حتّى التوى قائمُهُ في يده.. وافتداهُ بنفسه، مع إخوة له بررة، مؤمنين، ثابتين.
ويذكر قرب مجلسه إلى الرسول الكريم، وحتى أصبح من خاصة أصحابه الأصفياء، فحفظ عنه عشرات الأحاديث النبوية الكريمة. معتزّاً بقول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيه: « ما خُيِّر عمارٌ بين أمرين إلا اختار أرشدهما ». وإنها لشهادة تنطق له بالرّشاد، فهو من الراشدين حقاً!..
ويذكر دوره في بناء مسجد قُباء في المدينة، وهو المسجد الذي أُسِّسَ علَى التّقوى ، كما يقول الله تعالى فيه، فهو إذن أول من بنى مسجداً في الإسلام، فللّه الحمد، ومنه الهدى، وإليه عاقبة الأمور.
وتغمر نفسَه السعادةُ وهو يذكر « عام الفتح »، وقد عاد مع عشرة آلاف مسلم يَقْدمهم النبيّ من المدينة، إلى مكة، مهلِّلين، مكبِّرين، وقد ارتجّت بطاح مكة بأصداء: ( الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله ) يطلقها أخوه في الإسلام « بلالٌ » من على سطح الكعبة فتخشع لذلك القلوب والأبدان، ويتسارع أهلُ مكة للدخول في الإسلام.
وتنهمر عبراته على وَجْنتَيه، فمن بعدك يا رسول الله ؟
وتنطلق الفتنةُ من عقالها، ويدّعي الخلافةَ مَن لم يُوصَ بها، فينتفض عمّار متسائلاً أمام القوم: أين هو صاحبُها أبوالحسن، وقد أخذ الرسول عليهم الميثاق.. وبلّغ، فلا عذر! ويسكنُ بسكون الإمام علي عليه السّلام، ويسير خلفه، مقتدياً به، غير ملتفتٍ إلى من عداه. ويطمئن إلى سيده علي عليه السّلام الاطمئنانَ كلّه، فتنطوي على حبه وولايته جوانحُه. وكما كان أبواليقظان عمار بن ياسر من مقرَّبي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم صار من أصفياء الإمام، وخالص حواريّيه، فبالإمامة تتمُ النبوة وتكتمل.
وعندما ولاّه عمر الكوفة، قبل ذلك، لعلّه ينصر حقاً، ويدفع باطلاً، ويقيم حدود الله، ولكنه لم يستقر في هذا المنصب، فليس عمار ممن تستهيوهم المناصب، وتستعبدهم الرتب والألقاب!
إنه تلميذ الإمام عليّ عليه السّلام الذي كان همّه، كل همه، إقامة الحق، ودفع الباطل، تقرّباً إلى الله تبارك و تعالى، وابتغاء مرضاته. ويبقى في كنف إمامه، الذي هو مَثَلُه الأعلى، يصبر معه، ويكظم غيظه، ولسان حاله يقول: إلى الله المشتكى!..
وتدور الأيام، وتقبل الدنيا على الإمام علي عليه السّلام، وهو الذي ما انفكّ مديراً لها ظهره، وتنقاد إليه الخلافة، فيقبل النهوض بها، كل ذلك في سبيل الله، وقربة إليه تعالى.
وكان أول ما قام به أميرالمؤمنين عليه السّلام إقالة معاوية بن أبي سفيان، و عزله عن الحكم.. فلا تهادنَ في دين الله، على حساب أموال المسلمين وأعراضهم وكراماتهم، ولامساومة مع الظالمين.
و تتألّب على الإمام عليه السّلام قُوى الظلام، فيعلو نداءُ: « يا لثارات عثمان »!! وتكون « موقعة الجمل »، وكان من طبيعة الأمر أن يقوم « عمار » رضوان الله عليه بدوره كاملاً في هذه الموقعة الطاحنة، فما أغمد سيفه حتى ارتدّ الظالمون على أعقابهم لم ينالوا شيئاً، وارتفعت رايةُ الإمام عليّ تخفق بالانتصار المبين.
وما أن ينتهي الإمام علي عليه السّلام من قتال هؤلاء « الناكثين » حتّى يبدأ بتجميع جيشه لملاقاة معاوية الذي أعلن الحرب عليه.. ويلتقي الجمعان في « صفّين » حيث تدور معركةٌ طاحنةٌ رهيبةٌ، بين الحق والباطل، يشيب لهولها الأطفال! ويخوض عمّار رضوان الله عليه غمار هذه الحرب، يحمل على الأعداء ممعناً فيهم ضرباً بالسيف، وطعناً بالرّمح، حتى زحزحهم عن مواقعهم وهو يرتجز:
اليوم ألقى الأحبّه
محمّداً وصَحبَه
وكالنّداء من السماء.. يهتف به هاتفٌ:
« يا عمار، تقتلك الفئة الباغية » إنه قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منذ عشرات السنين، ويغوص أبواليقظان عمارُ بين جموع هؤلاء الباغين، المعتدين على إمام زمانهم الذي افتُرضت طاعته.
ويعجب الفرسان لهذا الشيخ الطاعن في السنّ، الجليل قدراً، المهيب طلعة، إنه قد تجاوز التسعين من عمره، ومع ذلك، فهو يحمل على الأعداء بعزم أبطال الشباب، وشجعان الفرسان، ويتساءلون: ـ من هو؟! فيجيب بعضهم: « إنه عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي القحطاني، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأحد حواريّي الإمام عليّ عليه السّلام » فيفرّون من بين يديه شتاتاً!..
فعمار رضوان الله عليه، صار أحد موازين الحق ومعاييره.
وسيفُهُ على الظالمين أبداً!
وما هي إلا جولةٌ، حتى يخرّ صاحب رسول الله صريعاً، بعد أن أبلى في سبيل الله ورسوله وإمامه، بلاءً ليس عليه من مزيد
ويرتفع الصوت من جديد هاتفاً:
ـ « ياعمارُ، تقتلك الفئة الباغية »
ويعقبه صوت آخر يهتف:
ـ « لا لعنة الله على الظالمين!.. »
حمزة سيّد الشهداء
الوقتُ ضُحيً.. وسادةُ قريشٍ يَتَوافَدونَ إلى النادي، الواحدَ تِلْوَ الآخَر، ولا حديثَ لَهُم إلاّ هذا الدينُ الجديدُ الَّذي أَتاهُم به مُحمَّد صلّى الله عليه وآله وسلّم. وَيَكتَمِلُ الجَمْعُ بأبي جَهلٍ يَدخُلُ الناديَ، سَاحِباً رِداءَ هُ، شامِخاً بِعُنُقِهِ، ويُلِقي على الجَمْعِ المُحتَشِدِ تَحيَّةً عَجْلي، ويأخُذُ مكانهُ في وَسَطِ بَني مَخْزوم، وتُلاحِقُهُ عُيونُ الحاضرينَ، فَما لأبي جهلٍ مُقَطِّب الجَبينِ، مُكفَهِرّ الوجهِ، غاضِب ؟!
وَيتنفّسُ طاغِيَةُ قُرَيشٍ الصُّعَداء، .. وَقد عَلِمَ أَنَّ القَومَ يَشعُرونَ بِما تَنطَوي عليه ضُلوعُهُ من غَضَبٍ دَفينٍ وحِقدٍ مكبوتٍ وَحَنَقٍ جامِحٍ، فَيُبادِرُهُم بِلهجَتِهِ الصاخِبَةِ، و كأنَّهُ البَعيرُ الهَائِج:
ـ إنَّ محمّداً هذا لَن يَدَعَنا وَشأنَنَا، حَتَّى يَكونَ بَينَنا وَبَيْنَهُ شَرٌّ مُستَطير.
لقَد لَقِيتُة منذُ قليلٍ وأنا في طريقي إليكُم، فَنِلْتُ مِنهُ ومِنْ دِينِهِ الجَديد.
ـ وَماذَا كَانَ رَدُّهُ عَلَيكَ يا أَبا الحَكَم ؟
ـ وَبِمَ عَساهُ يَرُدُّ؟! لاذَ بالصَّمت، وَلا جَوابَ!
ـ أيَّدَتْكَ آلِهَةُ مَكَّةَ كُلُّها يا سيّدَ قَرَيشٍ، وحَماكَ هُبَل!
ويَخوضُ القَوم في هذا الحَديثِ، ويَتَشَعَّبُ الكَلامُ فيه، إنَّهُ حديثُ قُرَيشٍ كُلِّها لَيلَ نَهَار..
* * *
ـ يَا أبا عُمارَة، يا أبا عُمارَة!
وَيَنتَفِضُ حَمزَةُ لِصَوتِ امرأةٍ تُنَاديه، وقد قَطَعَتْ عَلَيهِ حَبلَ تَفكيرِه، وَهُوَ عائِدٌ منَ القَنْص.
وَيَلتَفِتُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، مُوقِفاً جَوادَهُ المَنهوكَ، ويَتَطلَّعُ حَيثُ الصوتُ، جِهَةَ الصَّفا:
ـ مَن المُنادي؟
ـ أنا يا حَمزَة، تَرَيَّثْ قَليلاً، سآتيك..
وَيَنتَظِرُها، إنَّها مَولاةُ عبدِاللهِ بنِ جَدْعانَ، تَنحَدِرُ إليه مِن مَسكَنِها فَوقَ الصَّفا.
تُرَى مَاذا تُريدُ منهُ، لَعلَّها تَحمِلُ إليهِ خَبَراً، أو لَعلَّ أمراً دَهاها فهِيَ بِهِ تَستَغِيث.
ـ مَا بِكِ ؟.. هيَّا!..
وَبِلَهجَةٍ يَمتَزِجُ فيها الحُزنُ والاضطِرابُ، تُجيبُ بِصَوتٍ مُتَهَدِّج:
ـ لَوْ رأَيْتَ يَا حَمزَةُ، مَا لَقِيَ ابنُ أَخيكَ محمّدٌ مِن (أبي جَهلٍ)، آنِفاً!.. (أي سابقاً) وَجَدَهُ هاهُنَا، فآذاهُ وَشَتَمَهُ، وَبَلَغَ ما يَكْرَهُ، ثمّ انصَرَفَ عنهُ وَلَم يُكَلِّمْهُ مُحَمَّد.
ـ أَحَقّاً ما تَقولين؟
- إي والله، بِعَينَيَّ هَاتينِ شاهَدْتُ، وبِأُذُنَيَّ هاتَينِ سَمِعْتُ.
فَتَحْمَرُّ عَينا حَمزَةَ لِمَا يَسمَعُ، وَيُسَيطرُ عَلَيهِ الغَضَبُ، فيَهْمِزُ جَوادَهُ.. وكالرِّيحِ العاصِفَةِ، وكالزَّلْزالِ المُدَمِّر ـ يَتَّجِهُ لِتوِّه ( أي: حالاً ) إلى نادي قُرَيشٍ في المَسجِدِ، فالوَيْلُ لِمَن نَالَ مِن ابنِ أخيهِ مُحَمَّدٍ، كائناً مَن كَانَ أيؤْذَى مُحَمَّدٌ وَيَسكُتُ عَن ذَلِك ؟
واللهِ إِنَّ ذلكَ لَن يكونَ أبداً!
وَكَانَ مِن عَادةِ حَمزَةَ عِندَما يَعودُ من القَنصِ، أن يَطوفَ بالكَعبَةِ قَبلَ دُخُولِهِ مَنزِلَهُ، فَيَمرَّ على نادي قريشٍ مَسَلِّماً عليهم و مُتَحَدِّثاً إليهم، فهُوَ أعَزُّ قُريشٍ وأشَدُّها شَكِيمَةً، وكانَ حَتَّى يَومَئِذٍ يُخفي إيمانَه، ويَتظاهرُ أنّه على دِينِ قَرَيش.
ولكنَّهُ هذَا اليَومَ غَيَّرَ من عادَتِهِ؛ فَلَم يَطُفْ بالكَعبَةِ كَما كَانَ يَفْعَلُ دائماً.. ولم يُسَلِّمْ عَلى من صَادَفَهُ في طريقِهِ..
إنَّهُ يَمتَطِي جَوَادَه، وَ رِجلاَهُ تَخُطَّانَ علَى الأرضِ، وَكَأَنَّهُ قِطَعَةٌ مِن جَبَل. وَيَتَرجَّلُ حَمزَةُ عَن جَوَادِهِ، أمامَ المَسجِدِ، وَيَدخُلُ وقد عَلَتْ الأصواتُ، وارتَفَعَتْ القَهقَهاتُ، فَيسكُتونَ!
وَبِعَينَينِ تَقدَحَانِ شَرَراً يَتَفَرَّسُ في الوُجوهِ مُحَدِّقاً.
وَيُهَمهِمُ بَعضُهم: إنَّ أمرَ ابنِ عَبدِ المُطَّلِبِ اليومَ لَمُرِيب!..
وَيَتَقَدَّمُ حَمزةُ إلى صدْرِ المجلِسِ، حَيثُ استقَّرَ أَبوجهلٍ وقدْ اكتَنَفَهُ رِجالٌ مِن بَني مَخزوم، وَيَهوي بِقَوسٍ في يدِهِ عَلَى رأسِ أبي جَهلٍ فَيَشِجُّهُ، رَافِعاً صوتَه مُجَلجِلاً بالتحدّي:
أَتشتُمُ محَمداً وَتَسُبُّهُ ؟! أنا أشهَدُ أنَّهُ رَسولُ الله، وأنا علَى دِينِه أقولُ ما يقولُ، وإنَّ الَّذي يقولُ هو الحقّ، فَرُدَّ عَلَيَّ ذلك إنِ استَطَعتَ!.
وَ يُتابِع، مُلتَفِتاً إلى الرِّجال المُتَحفِّزينَ حَولَهُ:
ـ وامنَعوني إن كنتُم صادقين!
ويُخَضِّبُ الدَّمُ رَأسَ أبي جَهلٍ وَوَجهَهُ وَلِحيَتَهُ، فَيُصبِحُ كالشَّيطانِ الرَّجيم!
وتعلو الأصواتُ، ويَختَلِط بعضُها بِبَعض.
ويقومُ بعضُ بني مَخزوم لِينصرُوا أبا جهلٍ في المجلس.. وتكادُ تَقَعُ فِتنَةٌ ويثورُ شرٌّ عظيمٌ لولا أن وَقَفَ أبوجَهلٍ مَشِيراً بيديه إلَى مَن حَولَهُ وَهو يقولُ لَهُم بصوتٍ كالفَحيح:
ـ إيه يا قومُ! دَعُوا أبا عُمارةَ، فَإِنّي واللهِ قَد سَبَبتُ ابنَ أخيهِ سَبّاً قَبيحاً.
فَيَهدَأون، ويَنْسَحِبونَ من المَجلِسِ تِباعاً، وهم يُتَمتِمونَ بِوُجوم:
ـ اليومَ عزَّ محمدٌ وامتَنَعَ!
وَهكذا يَنصُر اللهُ تعالى الإسلامَ بِسَيفِ حَمزة، وَشَجاعَتِه.
فَتَكُفُّ قَرَيشٌ يَدَهَا عن النَّبيِّ، وقد أيَّدَهُ اللهُ بَنَصرِه، وَبِسَيفَينِ لاَيَقِفُ بوجهِهِما شيءٌ: سيفِ عليٍّ ذي الفَقَارِ، وسيفِ حمزةَ تَلتَمِعُ شَفرَتُهُ كَشُعلةٍ مِن نار!..
* * *
وَتَرَى قريشٌ في إسلامِ حَمزَةَ مَرحَلَةً مَتَقَدِّمةً جِدّاً للدّينِ الجَديد.
فَرِجالاتُ قريشٍ يَعرِفونَ حَمزَةَ جَيّداً: أنهُ الطِّيبُ ابنُ الطَّيِّبينَ، والشريفُ ابنُ الأشراف.
أبوهُ: عَبدُالمُطَّلِب بنُ هاشم.
وامُّهُ هالَةُ بنتُ وَهيبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، ابنَةُ عَمّ آمِنَةَ بِنتِ وَهَبٍ.
وهو شقيقُ صَفِيَّةَ بِنتِ عَبد المُطّلِب أُمِّ الزُبيرِ.
وَهُوَ عَمُّ الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأخوهُ منَ الرَّضاعَةِ، وقد أَرضَعَتْهُما ثُوَيبةُ مَولاةُ أبي لَهَب وما مَعني هذا ؟
هَذا يُشِيرُ إلى أَنَّ العَلاقة بَينَ حَمزَة والنبيِ، كَانَتْ عَلاقَةَ الأخِ بأخيهِ أكثرَ مَمَّا هي علاقَةُ الفتى بَعَمِّه. إذ أَنَّ حَمزَةَ كَانَ يَكبُرُ النَّبِيَّ بِسَنَتَينِ فَقَط، فَيَومَ خَطَبَ النبيُّ خَديجَةَ كَانَ عُمُرُه الشريفُ خَمسةً وعشرين عاماً حينَدَاكَ، وَقد خَطَبَها له أعمامُهُ، وحمزةُ منهُم، وَكَان عُمُرُ حمزة إذ ذَاكَ سَبَعَةً وعشرينَ عاماً فَهو، والحالَةُ هذهِ، أقرَبُ النَّاسِ صِلةً بمشاعِرِ النَّبيِّ وأَحَاسِيسِه.
وَيبدَأُ نَجمُ حَمزَةَ بالصُّعودِ لامِعَاً، مُتَلأْلِئاً، مُتَألِّقاً، وقَد انخَرَطَ في سِلْكِ المُسلمين المجاهدين، لَهُ مَا لَهُم، وعليه ما عليهِم.
كما هَاجَرَ مَع المهاجرِينَ إلى المَدينَةِ.
وَيَومَ وَقَفَ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم للمُؤَاخاةِ بَينَ المُهاجِريِنَ وَالأنصارِ.. كانَ يُحيطَ بِهِ عليٌّ عليه السّلام من جِهَة، وَعَمُّه حَمزَةُ من جِهةٍ ثانِيَة.. وَيُشير الرَّسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المسلمينَ: مُهَاجِرينَ وأنصاراً، بِالاقتِراب، فَيَقتَرِبون.
ويقولُ لهم: « تآخَوا فِي اللهِ أخَوَين أَخَوَينِ ».
وَيأخُذ بيدِ عليٍ قائلاً: « هذا أَخي ».
هذا أخي!.. الله، الله!.. بارَكَ اللهُ لَكَ ولنا هذِه النِّعمَةَ يا أبا الحَسَن! ويُدني حَمزَةَ مِنهُ قائِلاً:
« إنّ حَمزَةَ بنَ عبدِ المُطّلِب أَسدَ الله، وزَيدَ بنَ حارِثَةَ مَولَى رسولِ الله، أخَوَان ». وَيَزدَادُ نَجمُ حَمزةَ رضي الله عنه صُعوداً!
* * *
يَروي المؤرِّخونَ أنَّ أوَّلَ لِواءٍ ـ وكانَ أبيضَ اللَّونِ ـ عَقَدَهُ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كانَ لِحَمزَةَ، وقد بَعَثَهُ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم علَى رأسِ ثَلاثينَ مِن رجالِهِ إلى ساحِلِ البَحر، لاعْتِراضِ قافلةٍ لِقُريش يَقُودُها أبوجهل، وَمَعَهُ ثَلاثُمِئَةِ رَجُل.
ثلاثونَ يَقفونَ أمامَ ثلاثِمِئَةٍ، يتَحدَّونَهُم!..
وتَرتَعِد فَرائصُ أبي جَهلٍ ( أي: يرتجف خوفاً )، وقَد انتَصَبَ أمَامَهُ حَمزَةُ كالعِملاقِ عَلَي رأسِ رِجَالِهِ الثّلاثينَ المُتَوثّبينَ للانقضاض ( أي للهجوم )، وبحركةٍ عَفويّةٍ تمتّد يَمينُ أبي جهل إلى رأسِهِ، فآثارُ ضَربَةِ حَمزَةَ بالقَوسِ لازالَتْ واضِحَةً، فيزدَادُ رُعباً!
ويشاءُ اللهُ ألاَّ تدَورَ بين الطرفينِ مَعركَة.
وَكَفي اللهُ المؤمِنينَ القِتالَ!
وَيشهَدُ حمزَةُ مَواقِعَ أخرى.. يصول فيها صَولَةَ الأسد الهَصُورِ، ويَنقضُّ انقِضاضَ الصَّقر..
وَيفِرُّ الفُرسانُ أمَامَ هَذَا البَطَلِ المِغوَارِ، والفارِسِ الكرَّارِ، المُعْلَم بريشَةِ نَعامةٍ حمراءَ في خوذَتِهِ وَعلى صَدرِهِ. فريشَةُ النَّعامَةِ هذِهِ شِعارُه في الحَربِ، وَعَلامَةٌ يُعْرَفَ بِها بينَ الفُرسان.
* * *
هاهَوَذا حَمزَةُ في معركَةِ بدرٍ..
إِنَّهُ يَفتَتِحُ المَعركة، وَيَتَصَدّى لبطلِ قُريشٍ الأسودِ المَخزوميِّ، ويُجهِزُ عَليه (أي: يَقتلُه). إنَّها باكورَةُ « مَوقعةِ بدرٍ الكبرى »!..
وَيَخرُجُ عُتبَةُ بنُ رَبيعةَ بينَ أَخِيهِ شَيبَةَ وابنهِ الوليدِ، مِن بَينِ صُفوفِ قَرَيشٍ، مُبَارِزينَ.
فَيَخرُجُ إلَيهِمْ ثَلاَثَةُ فِتيةٍ من الأنصَار.
وَيَرفُضُ الأبطالُ القرَشِيّون الثلاثَةُ مُبَارَزَةَ الفِتيةِ الأنصار؛ فهؤلاء الفِتيَانُ لَيسوا بالأكْفاءِ أمَامُ أبطالِ قُرَيشٍ، السَّادَةِ العِظام!
ويُنادي أحدُهُم:
ـ يا مُحَمَّدُ.. أخرِجْ إلينا أكْفاءنا مِن قَومِنا.
فَقالَ الرسُولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم:
ـ « قُمْ يا عُبَيدةَ بنَ الحارِث، قُمْ يا حَمزَةُ، قُمْ يا عليّ » فيَنهَضونْ.
ولَمَّا دَنَوا مِنهُم، قالوا:
ـ مَن أنتُم؟.
فأجابوا: عُبَيدةُ.. حمزةُ.. عَليُ...
قَالوا: نَعْم. أكفاءٌ كِرامٌ!..
فَبارَزَ عَلِيٌّ الولَيدَ بنَ عُتبَةَ.
وبارز حمزة شيبة بن ربيعة.
وبارَزَ عُبَيدَةُ ـ وَكَانَ أكبَرَهُم سِنّاً ـ عُتبَةَ بنَ رَبيعَةَ.
إنَّها مُبَارَزَةٌ ثُلاثيّة!
وَكرَّ عَلِيٌّ عَلَى الوَلِيدِ فأردَاهُ صَريعاً!
وانقَضَّ حَمزَةُ على شَيبَةَ بنِ رَبيعَةَ فأرداه صَريعاً!
أمَّا أبوعُبَيدَةَ وَعُتبَةُ، فَقَد أَصَابَ كلٌ مِنهُما صَاحِبَه بِضَربَةِ سَيف.
وَيَنْقضُّ عَلِيٌ وَحَمزَةُ لِنَجدَةِ عُبَيدةُ، ويكونُ حَمزَةُ بَينَ عَلِيٍّ وَعُتبَةَ، وَعَلِيٌ شَاهِرٌ سَيفَهُ، يَخَافُ أن يُصِيبَ عَمَّهُ حَمزةَ بِهِ، فيقولُ لَه:
طأْطِئ رَأسَكَ يا عَمُّ!
ويُطَأْطِىءُ حَمزَةُ رأسَه قليلاً، مُفسِحاً المَجالَ لابنِ أخيه..
ويُعاجِلُ عليٌ عُتبَةَ بِضَربَةٍ قَاضِيَة!
ثُمَّ يَتَعاوَنُ عَليٌّ وَحَمزَةُ فَيَحتَمِلاَنِ صَاحِبَهُما عُبَيدةَ إِلى أصحابِهِ، وَقَد قُطِعَتْ ساقُه، وَتَنجلي بِدايَةُ المَعركَةِ ـ المبارَزَة الثلاثيَّة هذِه، عن:
عُتبَةَ، وَشَيبَةَ، والوليدِ صَرعى!.
فيُجَنُّ جُنونُ قريش..
وَيَزحَفُ الفَريقَانِ، في صبيحَةِ الجَمُعَةِ لِسَبْعَ عَشَرَةَ مِن شَهرِ رَمَضانَ..
ويَخرُجُ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مُحَرِّضاً أصحَابَهُ، قائلاً لهم:
« والَّذي نَفْسُ مَحَمَّدٍ بيدهِ، لاَ يُقَاتِلُهُمُ اليَومَ رَجُلٌ فَيُقتَلُ صابِراً، مُحتَسِباً، مُقبِلاً غَيرَ مُدبِرٍ، إلاَّ أدخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ ».
ويَنظُرُ إلَي خَيلِ قُريشٍ وخُيَلائها، مُقْبِلين، يَلمَعُ حَديدُ دُروعِهِم وسُيوفِهِم ورِماحِهم، كالشُّهُبِ!..
ويَنْظُرُ إلى أصحابهِ القَليلي العَدَدِ، إذ لَم يَتَجاوَزوا الثلاثَمِئَة وأربَعَةَ عَشَرَ رَجُلاً؛ والقليلي العُدَّةِ، فَليسَ لَدَيهِم من الخيلِ إلاَّ فَرَسان اثنَانِ، يواجِهونَ جَبَروتَ قُرَيش بإيمانٍ راسخٍ وعقيدةٍ ثابتةٍ وَعَزمٍ وَطيدٍ، وَيَرفَعُ صلّى الله عليه وآله وسلّم وَجهَهُ الكريمَ إلى السَّماءِ قَائِلاً:
اللَّهُمَّ إنْ تُهلِكْ هَذِهِ العِصَابَة اليومَ، لاتُعبَدْ!..
وَقَبلَ أَن يَلْتَحِمَ الجَيشَان، يُصَمِّمُ حَمزَةُ عَلَى تَنفيذِ خُطَّةٍ توقِعُ الارتِبَاكَ في صُفوفِ الأعداءِ وثُتيرُ الرُّعبَ في قلوبِهِم.
تبدأُ المَعْرِكَةُ..
وَيَنقَضُّ حَمزَةُ في طليعَةِ جَيشِ المسلِمينَ مُختَرِقاً صُفوفَ الأعداءِ، حَامِلاً على حامِلِ اللّواءِ بَينَهم، وَيُسَدّدُ إليهِ ضَربَةً صَاعِقَةً، فَيهوي، وَيَهوي مَعَهُ اللِوَاءُ، وَيَميلُ حَمزَةُ عَلَى المُشرِكينَ، يَصُولُ بَينَهُم وَيَجُول، يَضرِبهُم بِسَيفِهِ ذاتَ اليَمين وَذَاتَ الشّمالِ، وَيَطعَنُ فيهِم بِرُمحِهِ حتّى ارْتَوى من دِمائهم، فَفَرُّوا من بينِ يَدَيه فِرارَ المِعْزى وَقَد شَدَّ عَلَيها الأسَدُ الضّاري، وما تَركَهُم إلاَّ بينَ قَتيلٍ أو مُستَسلِم أو مهزوم!..
وتَمتلئُ قلوبُ المشركينَ رُعباً من هذا البَطلِ الهُمام الذي يقاتل بسَيفَين!..
هذا من جِهة..
أَمّا من جهَةٍ ثانيةٍ.. فكانَ هُنَالِكَ سَيفٌ آخَرُ يَحصُدُ المُشرِكينَ حَصداً، وَيَفتكُ بِهم فَتكاً ذَريعاً، لا يَقِفُ أَمَامَهُ شيءٌ، إنَّه ذوالفَقارِ بكفِّ عَلِيٍّ، يَقتل صَناديدَ قُريشٍ وَيَصرَعُ أَبطالَها، تارِكاً في كلّ بيتٍ من بيوتِ قُرَيشٍ مَنَاحَةً ومأتَماً وعوَيلاً..
و يَلتَقي حَمزَةُ بأبي قَيس بنِ الفاكِهِ في المعركَةِ، وَكَان ممَّن يُؤذي رَسول الله، فيشُدُّ عَليهِ، وَيقتُلُه..
ويَلتقي عُتَيْباً، فيتصاوَلاَن! ويُشاهِدُهَما عليٌّ فيشتَرِكَ معَ عمِه حَمْزَةَ في قَتْلِ عُتَيْبٍ!
وينهزِم المشركون، مُخلِّفينَ وَرَاءَ هُم سبعينَ قتيلاً، ومِثْلَهم مِن الأسرى، أمّا شُهَداءُ المسلمينَ فكانوا أربَعةَ عَشَر.
وَيَفرَحُ المسلِمون بِمَا آتَاهُم اللهُ مِنْ نصرٍ في «موقِعَةِ بدرٍ الكبرى» والَّتي وَصَفَها الله تَبَاركَ وَتَعَالى بأنّها كانت ( يَوْمَ الفُرقَانِ، يَوْمَ الْتَقَي الجَمْعَانِ ). وَعادَ المسلمونَ إلى المدينَةِ مُنتَصِرين غَانِمين، يَسُوقُونَ أَمامَهُم الغنائِمَ والأسرى وَيَلْتَفِتُ أُمَيّةُ بنُ خَلَفٍ، كانَ مِنْ جُملةِ الأسرَى، إلَى بَعضِ رِجَالِ المسلمينَ قائلاً:
ـ مَن ذاكَ الرَّجُل المُعْلَمُ بريشِ نَعَامةٍ ؟
فَيُجيبُهُ: ألاَ تَعْرِفُه ُ؟ إِنَّهُ حَمزَةُ بن عَبدِالمُطَّلِب.
قالَ أُمَيَّةُ: ذَاكَ فَعَلَ بِنا الأفاعِيلَ!
* * *
وبعدَ مَوقِعهِ بدرٍ، كانَت غَزوَةُ « بني القَيْنُقاعِ »، وَهم جماعَةٌ من اليهودِ كانوا حُلَفاءَ الخَزرَجِ، فَتَمَرَّدوا على الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم وتَحصَّنوا في حُصُونهم، فغزاهُم. وكانَ لواءُ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وآله بيد حَمزَةَ.
فَحاصَرَهُم خَمْسَ عَشَرَةَ ليلةَ، حتّى استَسلَموا صاغِرين..
هَا هُو ذَا حَمزَةُ يَهُزُّ بِيُمنَاهُ لِوَاءَ رسولِ الله، يُطَارِدُ فُلولَ الكُفرِ والظَّلاَمِ أينَما حَلَّت وَكَانَت، ويُحاصِرُ هؤلاءِ المُنافِقين من اليهودِ الَّذين لاَعَهدَ لَهُم، وَلاَ ذِمَّة، وَلاَ مِيثاقَ، حتَّى الاستِسْلامِ.. وهُم أذِلَّةٌ صاغِرون!
وَتَأتي مَعرَكةُ أُحُد وكان ذلكَ في السَّنَةِ الثَالِثَةِ لِلهجرةِ. وَتَجمَعُ قُرَيشٌ أَنصارَهَا وحُلَفَاءهَا من قبائِلِ ثَقِيفٍ وكِنانةَ، ومِن تُهامَةَ، تَستَنْفِرُهُم لِقِتَالِ المُسلمينَ.
وكان أبوسفيانَ يقودُ الناسَ، يَطلبونَ الثارَ لقتلى بدر!
ودعا جُبَيرُ بُن مطعم غُلامَهُ وَحشيَّ بنَ حرب، وكان حَبَشيّاً يَقذِفُ بالحَربةِ قلّما يُخطئ، فقالَ له:
ـ أُخرُجْ معَ الناس، فإن قَتلتَ عمَّ محمّد بعمّي طعيمةَ بنِ عَدي، فأنتَ عَتيق ( أي حُرّ )!
وخَرَجت قريشٌ بجموعها وأنصارِها، والنساءُ يَضربنَ الدُّفوفَ يُحرِّضنَ المشركينَ على القتال.
فلمّا سمعَ بذلكَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم استَطلعَ رأيَ أصحابهِ فاشارَ بعضُهم بالخروجِ لمُلاقاتهم، وراى بعضُهُم البقاءَ في المدينةِ يدافعونَ عنها، وسلّم آخرونَ اليهِ الأمرَ قائلين:
ـ الرأيُ رأيكُ، فاصنَعْ ما شِئت..
فَلِبسَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سلاحَه، وخَرجَ بعدَ صلاةِ الجمعةِ للقتالِ، وتَقدّمَ في ألفِ رجلٍ من المدينة، انسَحبَ منهم ثلاثُمئةٍ على رأسِهم كبيرُ المنافقين: ابنُ أُبَيّ.
واستعدّ الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم للمعركة وقد تَركَ « جبل أُحُد » خلفَ ظهرِه، واضِعاً على ثغرِ الوادي خمسين رجلاً بقيادة « عبدالله بن جبير » وأوصاهُ قائلاً:
ـ « انضَحْ عنّا الخَيلَ بالنَّبل.. واثبُتْ مكانَك، إن كانت لنا أو علَينا » وأعطى اللّواء « مُصعبَ بنَ عُمَير »، وأمّرَ « الزبيرَ » على الخيل، ومعه « المِقداد ».
وخرجَ حمزةُ بالجيش بين يديه.
وأقبلَ « خالدٌ » و « عِكرِمَةُ » فتَصدّى لهما الزبيرُ والمِقداد، فانهزَم المشركون.
وحَملَ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على أبي سفيانَ وأصحابِه، فانهزَمَ أبوسفيان.
وبرَزَ الإمامُ عليُّ عليه السّلام لطلحةَ بنِ عُثمان، فضَربَهُ ضربةً أطاحَت بساقِه فسَقط، وانكشَف.
و أمعنَ حمزةُ وعليّ والمقدادُ وأبودُجانةَ ضَرْباً بالمشركين وطَعناً.. حتى زَلزَلوهُم فانهزَموا، ووَلوَلت الظَّعائن ( أي: النِّسوة على الهوَادِج تَحمِلُها الإبل )، فارّاتٍ مُذعورات، وأقبلَ المسلمونَ على الأسلابِ والغنائم، وترَك بعضُهم مَوقِعَهُ حيث وضَعَهُم رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكانَ لواءُ المشركينَ لا يزالُ مطروحاً على الأرضِ بعد أن قَتلَ الإمامُ عليٌّ عليه السّلام حَمَلَة هذا اللواء، الواحدَ تِلوَ الآخر.
وهذا ثابتٌ تاريخيّاً، وبالأسماء..
يُحدّثنا التاريخ بقوله:
فلمّا قتَلَهم أبصَرَ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم جماعةً من المشركين، فقال لعليّ:
ـ احمِلْ علَيهم. ففرَّقَهم، وقَتلَ فيهم.
ثم أبصَرَ جماعةً اخرى، فقال له: احمِلْ عليهم
فحمَلَ عليهم، وفَرّقَهُم، وقَتلَ فيهم.
فقال جبرائيل: « يا رسولَ الله هذه المُؤاساة! ».
فقالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّه منّي، وأنا منه.
فقال جبرائيلُ: وأنا مِنكُما
« وسمعُ الناسُ صوتا من السماء يِهتفُ: لا سيفَ إلا ذوالفَقار، ولافتى إلا علي! ».
وحَذارَ أن يَظُنَّ أحدٌ أنّ هذا الكلامَ اختلاق خيال، إنّهُ حَرفيّة تاريخية عن ( ابنِ الأثير ) في تاريخه وعن غيرِه من المؤرِّخين والمُحدِّثين،وهم كثيرون.
ويُجرَجُ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذه المعركة.. ويَسيل دمُه الشريفُ على وجههِ الكريم، وتَحوطُه فئةٌ ثابتة من المهاجرين والأنصار، وقد فَرّ المسلمونَ أمامَ المشركينَ الذين التفّوا عليِهم من خَلفِهم بقيادةِ خالد بن الوليد.
ويُقاتِلُ مُصعبُ بن عُمَير، ومَعه لواءُ رسولِ الله، فيُقَتل..
ويَستلمُ الإمامُ عليّ عليه السّلام اللواء..
ويُقاتلُ حمزةُ قتالَ الصَّناديد، ويَمرُّ به سباعُ بنُ عبدِ العُزّى، فيَضربُه حمزةُ بالسيفِ ضربةً يَخِرُّ لها صريعاً!.
وكان وحشيُّ بنُ حرب الحَبَشيّ يُراقِبُ مِن طرفِ عينيهِ حمزةَ في قلبِ المعركة. فيَعجَبُ من هذا البطل الذي يُقاتل بسيفين، وليس له مِن نظير!..
ويمَتلئ قلبُه بالرُّعب منه، وهو يُشاهدُ الصفوفَ تنَهارُ تَحتَهُ صفّاً، صّفاً!
قال:
«فهَزَزتُ حَربَتي ودَفَعتُها عليه فَوقَعتْ في أسفلِ بَطنهِ حتّى خَرَجت مِن بينِ رِجلَيه، وأقبلَ نحوي، فغُلب، فوقع!
لقد سقط الفارس، أسدُ الله وأسدُ رسوله.. بعد أن زَلزلَ الأرضَ باعداءِ الإسلام، وأذاقَ الكافرينَ طعمَ المَنون ( أي: الموت ).
وتجول « هندٌ » زوجةُ أبي سفيان، وأمُّ معاوية، مع بعضِ صُوَيحباتها على قتلى المسلمين، تُمثِّلُ بالجُثثُ وتشوِّه، فاتّخذت مِن آذانِ بعضِ قتلى المسلمين وأُنوفهم خَلاخلَ وقَلائد! ووصَلت أمام جسدِ حمزَة في الوادي، فبَقرَت بطنَه، ولاكت ( أي: مَضَغت ) كبده. فلم تَستَسغ طعمَها، فلَفَظتها فلُقِّبت بـ « آكلةِ الأكباد ».
ولما سمعَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بِمَصرَعِ حمزهَ شَهِق.
ولمّا رأى جُثمانَه وقد مُثِّل به، حَزِنَ حُزناً شديداً.
وصبَر، ونهى عن المُثلة، وأمرَ بدفنِه حيث استُشهد، فدُفن مع ابنِ أُختهِ عبدِالله في قبرٍ واحد، بعد أن صلّى عليه الرسولُ مكبّرًا عليه في صلاته سبعينَ تكبيرة.
* * *
وفي المدينة.. يمَرُّ النبيُّ بدارٍ من دورِ الأنصار، فيَسمَعُ بكاءً ونُواحا، فذَرَفتْ عيناهُ الكريمتان، وبكى، وقال:
ـ لكنّ حمزةَ لابَواكيَ له!..
فرجَعَ سعدُ بن مَعاذ، وأمرَ النساءَ بالذَّهابِ والبكاءِ على حمزة..
فَفَعلنَ، وقد سَبَقتهنّ في البكاءِ وفاقَتْهنّ في اللَّوعةِ على حمزةَ سيدِ شهداءِ زمانه: فاطمةُ الزهراء عليها السلام.
من هؤلاء :
(1) طه حسين : عميد الأدب العربي الذي فقد نعمة البصر منذ صغره ولكنه تحدى إعاقته وواصل دراسته حتى أصبح وزير المعارف في مصر ونال العديد من الجوائز في مجال إبداعاته الفكرية والأدبية .
(2)أبو العلاء المعري : كفيف، فيلسوف ، شاعر ومفكر .
(3) ستيفن هاوكنج : مقعد مشلول ومكتشف الثقوب السوداء ويحتل اليوم كرسي الرياضيات وهو أعلى منصب يحتله أستاذ في اختصاصه .. الكرسي نفسه شغله نيوتن في جامعة كمبردج .
(4) روبرت شومان : أصيب بشلل الأصابع وبذهان الهوس إلاّ أنه كان مبدعا موسيقاً عظيماً ً وقائد اوركسترا .
(5) لودفيك بيتهوفن : حياته رافقها المرض والمعاناة مع الصمم إلاّ أنه حقق شهرة موسيقية فهو أبو السمفونيات.
(6) هيلين كيلر : صماء ، كفيفة، إلا أنها كانت المرأة المعجزة في المواجهة والتحدي والإرادة في تحصيل العلم وفي التأليف .
(7) اميلي يوسف حداد : مقعدة، صاحبة كتاب " دعوة نحو الأعالى "
(8) ربنيتا الوهرانية : كفيفة، مغنية جزائرية مشهورة على الصعيد المحلي والعالمي خاصة في باريس .
(9) أوغيست رينوار : أصيب بمرض المفاصل وهو الرسام الفرنسي ممسكاً الريشة بأسنانه أو رابطاً إياها بين أصابعه .
(10) بشار بن برد : كفيف، مع قبح المنظر نتيجة إصابته بالجدري وكان إمام الشعراء في عصره واشتهر بشعر الغزل وحدة الذكاء .
(11) هوميروس : كفيف، شاعر يوناني وصاحب ملحمتي الإلياذة والادويسة .
(12) آلفرد آدلر : كان لديه نقص في الشكل والجسد... وصاحب مدرسة علم النفس السيكولوجية الفردية .
(13) أولكا سكوروكودوفا: كفيفة، صماء، لكنها كانت شاعرة روسية مبدعة ومتألقة... وكانت مثالاً لمن تحدى إصابته...
هؤلاء الذين أبدعوا في مجالاتهم وتركوا بصماتهم عبر التاريخ ومازالت وستظل إبداعاتهم شاهدة على صلابة إرادتهم وقوة عزائمهم،
هؤلاء جميعاً وأمثالهم صور مشرقة للأمل في حياتنا مهما تكن المعاناة.
هؤلاء يقدمون لنا دليلاً واضحاً على كيفية التكيف مع المجتمع رغم الإعاقة فهؤلاء لديهم مهارة التكيف مع الإعاقة والمرض...
مصعب بن عمير رضي الله عنه
هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف البدري
أسلم رضي الله عنه على يد رسول الله صلوات ربي عليه
كانت أمه خناس بنت مالك ..
كانت ذات شخصية فذه قوية فخشيها مصعب و كتم إسلامه
حتى يقضي الله أمرا ولكنت و بعد علمها حبسته طالبتا رده عن دينه
و لكن وجدته منه إصرارا و إقبالا كبيرين على الإيمان و الدين الإسلام
سفير الإسلام
اختاره الرسول أن يكون سفيره إلى المدينة, يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا
الرسول و ليذخل غيرهم بالدين الإسلام
وقد أختاره الرسول لرجاحة عقله وكريم خلقه وزهده وبها كان أول
سفير للإسلام
وقد أسلم على يديه أسيد بن خضير سيد بني عبد الأشهل بالمدينة, فجاء شاهرا
حربته و يتوهج غضبا وحنقا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم فلما أقنعه
أن يجلس ويستمع, فأصغى لمصعب واقتنع وأسلم ، وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع,
وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة ،
وأسلم كثيرا من أهل المدينة ،
فقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير .
العظماء من الرجال، هم الذين يصنعون تاريخ الشعوب، والأمم، وهم من يكون لهم التأثير القوي والمباشر في ترويض المشكلات الكبيرة التي يعتقد البعض بأنها عصية على الترويض، ويمارسون أدوارهم التي تختزن الطموحات، والآمال، في تفتيت كل العقبات، والحواجز، وردم الفجوات الواسعة والعميقة التي تعترض علاقات الشعوب مع بعضها، والدول بجيرانها، وترسخ حالة من الاطمئنان، والهدوء، والتقارب النفسي، والروحي بين الأفراد، والجماعات.
صناعة التاريخ ليست عملية سهلة، وليست جلسات استرخائية تتكثف فيها الأحلام والأمنيات، ولا حالة من حالات حسن الظن فقط، ثم يُبنى على حسن الظن قرارات، وتوجهات، ورؤى تبتعد عن الواقعية، والمنهجية، والوضوح، بل هي فهم وعقل، بحيث لا ترتد يوماً على مسارات الشعوب في صياغة تاريخها، وبناء مستقبلاتها، وأوضاع تحديثها، وبنائها، فتزيد من أعطابها، وأوجاعها، وتدمركل نضالاتها في بناء الإنسان، وتحديث الدولة، والارتقاء بكل مناحي الحياة المنتجة فيها.
صناعة التاريخ، عملية تقدم عليها وتمارسها العقول الواعية، والناضجة، والمؤمنة بقدر الأمة، وتلاحم الأهداف، وأن تقارب الكائن البشري في كل جغرافيا المنطقة هو أمر يجعل الأمة تتجاوز أزماتها، وتتوحد من أجل تكامل مسيرتها، وصناعة مصائرها، وإيجاد مكان ملائم لها في حركة التاريخ، وتحولات الكون، بحيث لا تعتمد على إيحاءات أو إيماءات خارجية لا تفهم نسيج هذه الشعوب، وإرثها، وتاريخها التراكمي من الهموم، والهواجس، والسعي الشاق نحو القضاء على كل معوقات نموها، وتكاملها.