View Full Version : البلد بقت فاكة ساااااكت يا ناس ؟ قصص محبطة من جدة للخرطوم


warwar
17-Dec-08, 23:12
البلد بقت فاكة ساااااكت يا ناس ؟ قصص محبطة من جدة للخرطوم



مررت اثناء اجازتي القصيرة للسودان بمبنى التلفزيون بأم درمان وشاهدت هذه البناية الضخمة القابعة على اسوارها الدبابات والمدرعات والعسكر وطفقت ابني تصوراتي حول أعداد الموظفين الذين يشغلون مكاتب التلفزيون من إداريين وتقنيين وفنيين وإعلاميين وارتال السيارات والمعدات الخاصة بالتلفزيون ووجدت انها لا تساوي شيئاً أمام وضاعة مخرجات هذا الجهاز الإعلامي القومي بيد أنني تشككت في الأمر فكيف بهذا الصرف الباذخ أن يلد فأراً وبطريقة أخرى كيف تتضاءل المخرجات أمام المدخلات إلا أنه حالما تسللت في رئتاي رائحة النيل المترطبة بالعفونة الممزوجة بتفاعلات اشجار السنط مع اكياس القمامة الملقاة تحتها حتى تيقنت بأن الأمر لا يعدو أن يكون ضمن تسلسل منطقي لمجريات الفساد وتبديد المال العام في وطننا السودان ...
ولكن دعونا نقص الحكاية من بدايتها :
جدة / 23 يوليو 2008م :
جموع من المغتربين السودانيين القادمين من شتى دول الخليج يتزاحمون على وكالة باعبود يبغون قضاء إجازاتهم الصيفية مع أهليهم بالسودان فقد طال الغياب وتيتمت الاشواق عبر ضفتي المالح , فالكل ما بين ساخط وساخر وغاضب فكيف لا تعير حكومة السودان انتباهة لتوفير خدمات النقل البحري لرعاياها اولئك الذين يفرغون جيوبهم أمام قنصلياتها فهذا دعم سلام وهذه رسوم خدمات وهذه رسوم القناة الفضائية وهذه زكاة ( لا احد يدري أين تصرف ) وتصاعدت الاصوات تطالب بتدخل قنصلية السودان بجدة وتعالت الصرخات والاحتجاجات فهذا احدهم يشرح مأساته ويعبر عن قصته بكلمات ايمانية تنم عن خلو وفاضه من الحلول ولم يبقى غير الصبر الصبر الصبر وصعدت قيمة التذكرة من 320 ريال لتبلغ 800 ريال في السوق السوداء فالأمر اشبه بفرصة الحصول على لوتري للهجرة إلى اميركا ناهيك عن مدفوعات الواسطات في إنهاء اجراءات التربتك فالباخرة العاملة هي واحدة بعد أن تعطلت الاخرى المسماة السلام توأم الباخرة السلام 98 التي غرق على متنها اكثر من 700 مصري في تلك الفاجعة المعروفة .
وبعد أن وقفت على كل هذه التراجيديا الاجتماعية الضاربة بجذورها على خشبة مسرح معاناة المواطن السوداني المسكين , وجدت مقعداً على طائرة سودانير ( جدة / الخرطوم ) ولم اصدق نفسي رغم توجسي من الرحلة فهي سودانير ايها السادة !!! دلفت إلى الطائرة بعد متصف الليل بعد أن أبى احد اصدقائي إلا وأن يرسل معي حقيبة امانات بها هدايا وجهاز ريسيفر ديجيتال يريد ارساله لأسرته ولا اذيعكم سراً بأنني قد توجست من بيروقراطية الاجراءات الجمركية وامكانية ترخيص الجهاز من وزارة الثقافة والاعلام وتلك الامور العقيمة التي دائماً ما تنتهي برسوم وجبايات لا تبرير لها حتى أنني خشيت أن تضمن ترعتي كنانة والرهد في هذا الريسيفر فكل شيء وارد ,,, إلى ذلك وجدت نفسي بين زهاء المائة ونيف من الركاب غالبيتهم من النساء والاطفال فالازواج ينتظرون بسياراتهم على البحر ينتظرون الأمل !! وقفت مشدوهاً داخل الطائرة وخلت في لحظة أنني داخل احد بصات التاتا العاملة على خط الحاج يوسف الكراسي ممزقة ودواليب العفش مخدشة وبعضها لا يغلق إلا بشق الانفس وتأخرت الطائرة عن الاقلاع بفعل تنظيم جلوس الركاب فهذه السيدة تريد الجلوس بقرب اطفالها وهنالك آخر يبغى الجلوس بجانب زوجته .. ثم حلقت الطائرة في السماء والاصوات تلهج بالدعاء والاستغفار فقد تكون لحظات الفراق قريبة جداً , وفجأة قدمت المضيفة الصغيرة في السن توزع علينا اطباقاً بلاستيكية سميت مجازاً بوجبة عشاء مفادها طبق قصديري صغير مليء بالأرز وقطعة طعمية صغيرة جدا وحلوى ومخلل وبس خلاص .. حقيقة انعش هذا الطبق ذاكرتي واستدعيت أحد افلام الحرب العالمية الثانية واكتشفت أن مثل هذه الوجبات كانت تقدم في الفيلم داخل احد معسكرات الاعتقال الامريكية للفيتناميين وضحكت وضحكت وضحكت حتى ابتسمت المضيفة واخالها كانت تعبر عن دعمها لفكرتي بضحكتها تلك , ثم جاءت مضيفة اخرى تجر عربة ترولي مخدشة وصدئة تسمع صرير عجلاتها الحديدية على ممرات الطائرة وهي تحمل عليها عبوات المشروبات الغازية العائلية تروم توزيعها على الركاب فالطريقة هي أن يمسك كل راكب بكاسه وينتظر دوره لتملأها له بما قسم الله الم أقل لكم أننا في أحد معسكرات الاعتقال الامريكية في الحرب العالمية الثانية .. بعدها جاءت لحظات الامتحان الحقيقية ودنت الطائرة القصواء من الهبوط وانتحبت النساء بالبكاء وتعالت صيحات التهليل والتكبير وذهب البعض يرتل بعض السور القرآنية فذاك يقرا آية الكرسي بصوتٍ عالٍ وذاك يدعو الله تعالى يطلب حسن الخاتمة بينما ارتسمت على وجوه طاقم الطائرة ابتسامات ساخرة تستبعد كل سيء يمكن أن يحدث مما يدل على مؤالفتهم للمشهد ربما كل يوم ...
هبطنا في مطار الخرطوم واتمينا اجرءات الدخول في الثلث الأخير من الليل وبينما أنا اهم باستلام حقائبي من السير فإذا بأحد العاملين بالمطار يأخذ بالحقائب ويهمس في أذني (ما عندك مشكلة ) وهنا تيقنت بأنني مستغل في تلك اللحظة ومن المحتم علي مجاراة هذا الشخص إلى النهاية فليس باليد حيلة تقدمنا نحن الاثنين من ضابط الجمارك الذي تبادل النظرات مع الطفيلي الذي بجانبي وفتحت حقيبتي وظهر الريسيفر خلسة لأسمع الضابط وهو يقول ( دا شنو يا زول ؟) يريد إخافتي ربما تمهيداً لمهمة رفيقه ( الجاب الشغل) المهم اغلقت الحقيبة وحملت حقائبي الأخرى معها وذاك يتمشى معي إلى أن دنوت من الباب الرئيسي للصالة وهنا قال لي ( جيب مية ريال) حقيقة اصبت بالحرج فالرجل جريء جداً فضلاً من أن المكان يعج بالناس ولكن عتدما أدرت ناظري فوجئت بأنني في خضم سوق عامرة فركاب الطائرة يتساومون مثلي مع امثال صاحبي فتستطيع أن تسمع اصوات المفاصلات والاحتجاجات شيء عجيب جداً أن يصبح مطار الخرطوم بعد منتصف الليل وكراً لعصابات التهريب المتعاونة مع موظفي المطار ولا اخفيكم بأنني تملكني الخوف حيث إذا اراد احدهم ( لا سمح الله) أن يدخل للبلاد مكروهاً فمن سيردعه أو يقف في طريقه إذا كان الحال بهذا الفساد الاداري والمالي المخيف ...
وبينما أنا اشق طريقي نحو منزلي بأحد احياء الخرطوم جالت في خاطري اكاذيب وافتراءات العائدون من اجازاتهم للملكة العربية السعودية وكيف كانوا يبالغون في وصف التطور الحادث في السودان حسبما يسمونه حتى أنني تصورت بأن الخرطوم قد امست امارة خليجية أو مقاطعة جنوب شرق اسيوية بيد أنني لم ألمح تغيراً جذرياً يلهم شذرات التفاؤل بمستقبل السودان فهذا نفق صغير على شارع افريقيا اشبه بجحر الفأر وذاك جسر متواضع تصدقت به شركة صينية لصالح الفوز بعقود نفط وهكذا يمضي الحال برعونته وغشاوته الرمادية إلا أن هالني في الصباح كميات السيارات الكورية ذات الكلفة الاقتصادية التي تجوب شوارع الخرطوم واكتشفت بأن التسهيلات البنكية وراء كل هذه الفوضى الحادثة فكل شيء اضحى بالتقسيط وهنا تكمن الفاجعة فتوافد الثقافة الخليجية الغارقة في الاستهلاك إلى السودان البلد الفقير المهتريء الذي قطعت 300 عربة زهاء ال 1000 كيلو متر لتقتحم عاصمته لا يمكن له ان يصمد امام مفاهيم الخدمات البنكية الخليجية المتخندقة خلف اندماجاتها واستحواذاتها لأخرى سودانية فالمواطنين السودانيين اصبحوا مملوكين لقروض ممتدة عبر سنوات ونشير هنا أن السودان بلد متقلب الاحوال ولا يرسى على بر !! فإذا ما حدث مكروه لا قدر الله فإما أن يزج الشعب في السجون والزنازين لمديونياته المتعسرة أو أن تفلس البنوك ويحصل انهيار اقتصادي ضخم يدخل البلاد في غياهب الصوملة والشتات وفي كلا الاحتمالين سوف تفلس البنوك ...
وجدت أن البلد اضحت كالافعوانية فقد تغيرت المفاهيم ( السودانية) في مجتمع طالما افتخر بانتمائه لها وحلت مكانها مستجدات ثقافية ضاربة باطنابها في الاستغلالية والبحث عن الكسب السريع مهما كانت التضحيات وبالتالي انتشر الفساد المنظم وتمزقت اخلاق الناس بخناجر الانتهازية ...
ذهبت في اول ايامي إلى السوق العربي لاستبدل ما معي من دراهم معدودات باخرى سودانية ومررت حينها بمركز عفراء التجاري الكائن بشارع افريقيا وحدثني من يجلس بجانبي بأن هذا المركز قد افل نجمه بعد حين من افتتاحه لأسباب ترتبط بضعف القوى الشرائية لدى المواطنين واصبح المركز سياحي اكثر منه تجاري مما أدى لفشل الفكرة الاستثمارية لملاكه .. وقلت لصاحبي : بأن مركز عفراء لا يتناسب ومعدلات الدخل المعدومة للمواطن المسكين ويبدو أن من انشأه او شارك في إنشائه يريد توظيف بعض من الكم الهائل من النقد الذي يمتلكه فالامر اشبه ما يكون بغسيل اموال أكثر من أنه تنفيذ لمشروع تجاري مربح سرعان ما عاني الكساد والركود ...
واستمرت الايام تتوالى لتقضم من عمر اجازتي بين الاحباب والاصحاب في السودان لتستمر كذلك فصول الدهشة والذهول لما آلت إليه الاوضاع فالاوراق النقدية الممزقة ذات الرائحة الكريهة امست عنواناً بارزاً لوجه السودان فعوضاً عن كونها تمثل حضارة وروعة وتاريخ وثقافة البلد تحولت بقدرة قادر لورق متعفن ممزق تكاد تغسل يديك كلما لمسته , واراهن على أن المسؤول من رداءة العملة السودانية هو الفساد المالي بعينه !!!!
سألت بعض الاخوة الاعزاء عن فرص الاستثمار بالسودان في حال لملمة الاطراف للعودة النهائية للوطن .. فكانت الاجابة محبطة حيث اكدوا بأن البلد اضحت رهينة الشركات الوافدة وفق قوانين استثمارية موغلة في التسهيل والهشاشة لحد ان هذه الشركات لا تقدم للبلد شيء يذكر في حين أنها ترتبط بشراكات وارتباطات مباشرة ببعض المسؤولين في الحكومة فهي إذاً دائرة مغلقة لا يستبيح حرمتها إلا الصفوة , أما عن الاعمال التجارية التقليدية فحدث ولا حرج فهنالك الجبايات والضرائب المقطوعة من الرأس ورسوم النفايات والعوائد ودعم السلام ( المفقود ) ....
إذاً ما العمل ؟ ما الحل ؟ هل نبيع كرامتنا وشرفنا ونخوض مع الخائضين لنقتطع من قوت الشعب السوداني لنملأ جيوبنا بالمال أم ننتظر الاصلاح والتغيير !!!!
إن ما يحدث في السودان من فوضى وضبابية وتخبط استحال إلى بعبع مخيف يهدد مستقبل السودانيين اجمعهم وإذا اضفنا عدم الأمن والاستقرار وغياب الصورة الواضحة لمآلات نيفاشا وجحيم دارفور المستعر بعدائيات الحكومة مع الغرب فحينها نتأكد بأن هذا البعبع قد التهم حقاً السودان ولم يعد يهدده كما كان في السابق .. عفوا اخوتي ( نسيت أن اضيف الفساد ) ...
عصابات الدوائر الحكومية / 29/7/2008م
في صباح يوم حار قررت أن أذهب لاحدى الدوائر الحكومية لانهاء بعض الاجراءات المهمة فجمعت اوراقي ومستنداتي وحملت مبلغاً مقدراً من المال لزوم الشبابيك وجمعت بعض اشيائي وذهبت .. واستمريت انهي اعمالي من مكتب إلى مكتب وادفع هنا وادفع هناك ثم انحدر بي المطاف إلى صالة كبيرة تتوسط عدداً من المكاتب الادارية وقدمت اوراقي وانا في حالة من الاعياء والحر ثم صعقت حينما نظر إليّ ثلاثة من موظفي المكتب بنظرات فاحصة يتطاير منها الطمع والاستغلال ليقول لي كبيرهم بأن هذا الاجراء متوقف نسبةً لامور اجرائية تتعلق بك بشكل خاص !! ثم علق احدهم بالقلم على اوراقي واحالني إلى المستشار القانوني في المكتب المجاور وأنا في طريقي إلى هذا الأخير لاحظت في شخبطات احالتي رموز وطلاسم تتعلق بحالتي لم استكين لها وخالجني احساس بارد بأن في الامر خدعة .. ودخلت على المستشار القانوني وسلمت عليه وانا ارجو الله أن يهديه ويصلح باله .. نظر في الاوراق وقلبها ثم قلبها مرة اخرى ثم استدار بكرسيه واطرق يجول ببصره في المكان وكأنه ينجم أو يضرب الرمل ليقرر ما بشأني ثم قال : موضوعك دا صعب وما بتعمل عندنا هنا إلا تمشي ( .......) وتدفع هناك الرسوم اللي هي (......) ثم تاتي إلينا بموجب ما تجلبه من ايصالات لننهي بعدها اجرائاتنا الخاصة بك في مكاتبنا .. ثم أردف قائلاً : هي زاته الاجراءات بتاعتك دي في الحتة الفلانية القلتها ليك ما بتتعمل لانو صدر قرار رسمي باستبعادها ...
طيب والحل شنو يا جماعة ؟
فقال سعادة المستشار امام عدد من موظفيه الذين كانوا بجانبه وايضاً بعض المراجعين بقربي ممن ينتظرون دورهم للنصب عليهم واستغلالهم .. قال بصوت عالٍ : شغلك دا ممكن يتعمل عندنا هنا لكن الزول البعملو بياخد 200 الف جنيه ( بالصيغة القديمة ) ثم استطرد قائلاً : انا وريتك لو عايز جيب القروش وانتظر هنا حتى تستلم معاملتك ولو ما عايز امشي انت حر ؟
اطرقت خجلاً امام الاستراقات الفضولية التي اخترقت حواري مع هذا الثعبان الذي يشغل منصب ( مستشار قانوني في هذه الادارة ) الزول القال الكلام دا يا جماعة مستشار قانوني فهمتوني شغلتو مستشار قانوني ؟؟؟!!!!!
ثم جمعت اطرافي وقلت له بأن هذا المبلغ غير متوفر معي الآن ولا املك سوى 25 الف جنيه ( بالصيغة القديمة ) فامتنع وابى وقال بأن ال 200 الف سوف توزع على جميع المكاتب لارضائهم واخيراً بقدرة قادر رضخ بأخذ ال 25 الف بعد أن اقنعته بأن يحتفظ بالمبلغ لنفسه ويكمل الاجراءات بوصفي قريبه أو صديقه ..
وبعد دفع المبلغ انتظرت خمس دقائق ليعود بعدها سعادة المستشار القانوني وهو يحمل اوراقي وهي ناجزة ومنتهية اجرائياً ..
فدعوت الله أن يغفر لي ويجنبني لعناته فقد كنت في حيرة من امري فالله غفور رحيم ويعلم ما يشاء ...
اعتراني شيء من الفضول حول ما يدور من افعال اجرامية في هذا المكتب ووددت أن اعرف الكثير عن خباياهم واسراراهم فسألت في إطار حديث ودي أحد العاملين في هذه الدائرة الحكومية وقال لي : بأن هؤلاء يصطادون ضحاياهم بطريقة ذكية ويوهمونهم بصعوبة الاجراءات ووجود اوراق غير مستكملة صادرة بشأنها قرارات منع وهكذا تصبح المعادلة مستحيلة تماماً بينما هي في الحقيقة طبيعية مثلها كبقية المعاملات ثم يطرحون بعد هذه التمثيلية خدماتهم الفاسدة مدفوعة الأجر .. والمصيبة أن هذا الرجل قد اخبرني بأن هذا السلوك المخيف اصبح موضة في دوائر الدولة الحكومية حيث كان في بدايته يستخدم مع المستثمرين العرب من قِبل بعض الموظفين الصغار ثم استشرى بعدها ليستهدف المواطنين البسطاء ... وهنا اطرقت براسي ابكي على مستقبل السودان

warwar
17-Dec-08, 23:14
....

هالني كميات اللوحات الإعلانية التي تملأ الشوارع والطرقات والزوايا فغالبيتها تتمحور حول شركات الاتصالات واحياناً تلفت أنظارك لوحات المشروبات الغازية بينما قلما أن تجد مثلاً ما يتعلق بالدعاية للخدمات الصحية الخاصة أو المناشط التعليمية أو الفعاليات الثقافية والمعرفية الأمر الذي يعزز لتحول هذا الشعب الفقير الجائع إلى مجتمع استهلاكي يتاجر به فنانو النصب والاحتيال ليكتشفوا لنا في القرن الحادي والعشرين النسخة العصرية من تجارة الرقيق .. ثم يأتي كبيرهم الذي علمهم العزف المنفرد فيفرك لسانه ويهرف لك بما يسميه التنمية والتطور واحياناً السلام والنفط ذينك الاثنان اللذان لا يلتقيان البتة..
ذهبتُ في حادث ايام إجازتي القصيرة إلى الشهداء بأم درمان حيث احتفظ بمجموعة من الاصدقاء والذكريات الجميلة فوجدت المكان كما هو لم يتغير سوى أن قامت بين اكتافه لوحة إعلانية هائلة تعمل بطريقة الفيديو فتعجبت وادهشتني جرأة مالكها وزادت دهشتي عندما شطحت افكر في عدد الاصفار التي تُكوّن مبلغ التامين على هذه اللوحة العملاقة فإحتمال المخاطرة كبير يا سادتي فمجرد تظاهرة صغيرة في هذا الموقف الصغير يكون موضوعها انقطاع التيار الكهربائي أو لنقل دخول عدد من الثوار الدارفوريين على ظهور اللاندكروزرات أو مناوشة من مقاتلي الحركة الشعبية أو تظاهرة لطلاب الجامعات للمطالبة بإعادة انتخاباتهم المزورة كل ذلك قد يكرس لتدمير وتحطيم هذه اللوحة . فهل يا ترى صاحبها مغامر أم أن شركة التأمين هي الأخرى مجازفة أو أن كلاهما يسند الآخر فيما يُعرف بالفساد الإداري ...
نظرت بألم إلى مظلة مهترئة تأخذ مكانها امام خيمة تخص بعض العسكر وسط الموقف اقتربت منها لاجتر ملامح المكان فوجدت نفس الوجوه المسكينة المرصعة بالعرق ذات الملابس الممزقة والايدي المغسولة حتى من الامل ذات الرائحة الآدمية المتسودنة بعبق الغبار المقطر بلفحات شمس يوليو تموز الحارقة جلست على احد كراسي البلاستيك القديمة وخلعت نعالي (اكرمكم الله) في أدب ومددتها إلى الصبي الصغير الذي تهلل فرحاً وارتسمت البسمة على ثغره اليابس وحينها سألته بتودد : عمرك كم ؟ فقال لي بدهشة 15سنة . فقلت له : ناس المحلية بشيلوا منكم قروش ؟ فقال بحماس : ااااااي الكرسي الواحد بندفع يوميته 1500 جنيه ( بعملة ما قبل نيفاشا) وهنا سألته : الشغل كويس يعني بتكسبوا قروش تمام في اليوم الواحد ؟ فقال لي الفتى وهو يدع النعال جانباً : انا بس بنطلع حق الفطور ومصاريف اخواني في البيت يعني مرة 4 ألف ومرة 5 الف .. فقلت له : طيب ناس المحلية ديل لو قلت ليهم انك ما دخلت قروش وما بتقدر تدفع بسووا ليك شنو ؟ فأطرق براسه واجاب بحسرة : بشيلوا الكرسي دا مني ولو ما دفعت تاني بشيلوا العدة .. والله أصبت بالدهشة والألم على حال هذا الصبي اليافع الذي من المفترض ان يكون على مقاعد الدراسة في إحدى المدارس الثانوية يتمتع بالتأمين الاجتماعي هو واسرته عوضاً عن حاله الذي يغني عن التعليق ... ما بال مسؤولو الغفلة يقتطعون اللقمة النزيهة من افواه المظلومين التعابة ما بالهم يسرقون الجنيهات من جيوب الفقراء والمعوزين أين تذهب هذه المليارات ؟ ربما ما زالت توجه لدمغة الجريح أو لدمغة الشهيد أو لترعتي كنانة والرهد أو لإقامة المسطح المائي الذي يفصل ام درمان عن صحراء دارفور اتقاءً لهجمات الثوار !!!!

استطاعت هذه الحكومة بشعاراتها الدعائية أن تسيطر على ديناميكية السايكلوجية السودانية مستخدمةً كل شيء الدين , الوطن , التمييز العرقي .. فحينما كانت تستعر حرب الجنوب كان الدين هو المغذي لآلة الحرب فتيتم الأطفال وترملت النساء وبعد أن صيغت نيفاشا قال كبيرهم الذي علمهم السحر أن من ماتوا في الحرب ( فطايس) هكذا غسلت هذه الحكومة يدها ممن سقطوا ضحايا في أحضان مخططاتها الدموية ابتغاء الجنة أو ربما الظفر بحظ من متاع الدنيا فلا حدث هذا ولا حدث ذاك.. وحينما كانت غزوة ذات الموز سمعنا حديثاً وطنياً ممجوجاً يخفي بين طبقاته قلقاً وخوفاً من اكتشاف حقيقة النمر الورقي الذي طالما ادخل الرعب فيمن واتتهم الرغبة في إعادة المسرحية الانقلابية المعتادة ..
بيينما نجد ايضاً توظيف التنوع العرقي والقبلي في غرب السودان وإحالته لآلة حرب عنصرية تأكل الأخضر واليابس للقضاء على الحركات المسلحة ذات الاصول الافريقية فيما يعرف بالجنجويد وكادت أن تفلح الحكومة في خطتها الجهنمية لولا أن فلت الأمر من بين ايديها حين تفاقمت الأزمة إالانسانية التي اججت نيرانها الدوافع العنصرية الطارئة على الحرب آن ايقظتها الحكومة بعصا التمييز العنصري وعندئذ اصبح العالم كله يتفرج على لاجيء دارفور في المعسكرات واوصل الامر أن تُقام دعوى على عمر البشير لما اقترفه من ابادة جماعية في هذا الاقليم المنكوب بعقلية التصفية السياسية المسلحة.. واصبح هذا الأخير كالولد الصغير الضائع في الغابة ..
وفي غمرة هذه المشاهد المحبطة التي ربما ادخلت السودان في فوهة بركان محموم يكاد ينفجر من فرط ما يحمل في بطنه من انفصال محتوم للجنوب وترجيحات مآلات دارفور المبهمة واقتصاد شبه منهار وحالة سياسية تمر باخطر مخاض منذ الاستقلال نجد أن الفساد ما زال يتوسع ويأخذ اشكالاً وامساخاً يندى لها جبين كل سوداني تتقطع كبده على ضياع بلاده هكذا جرّاء نظرية (الاقصاء والتشبث بالسلطة مهما كلف الأمر ) فالعنترة السياسية وإدخال البلاد في نفق التصريحات الهوجاء الغير مسؤولة جعلت من المواطن السوداني ضحية لما يحدث من فوضى وتشتت وافول جمعي في الاقتصاد والاجتماع وحتى الثقافة فانتشرت الرذيلة بين الناس وكثرت الجنح الجنائية الغريبة بين المجتمع مثل اغتصاب البنات الصغيرات ومن ثم قتلهنّ وقطع الرؤوس والنشل والنصب والاحتيال بينما تلهج الألسنة باستنكار هذه المظاهر الاجتماعية متحسرة على ماضٍ قد تولى كما تغنت ام كلثوم ولا يعلم اولئك الشاجبون أن المجتمع السوداني إنما يعبر عما يكتنفه من ضغوطات مريرة ألهبت مراراتها إنشغال السلطة بما اوقدته لنفسها من جهنم ٍمستعرة ابتلعت الحلم الوطني وهي تفور ..
فالمستقبل امسى قاب قوسين أو ادنى من الوهم والحاضر لا يفسر تراتبية الماضي غير المقنع حتى !!إذاً فالنعترف أمام أمتنا بأننا لا نملك الأدوات والمفاتيح التي تمهد الطريق لنفخر بسوداننا بين الأمم فتفاهاتنا كلها تترجم انثربولوجيا الإنسان السوداني المغرور المحب للتحكم بالآخرين وقهرهم فيكفي أن يشبع أحدهم ليمارس امراضه النفسية على الآخرين هكذا نحنُ نحب السلطة ولا نأبه بمفهوم التطور والتغير فالسياسة عندنا هواية بينما عند الآخرين هي أداة للازدهار والمنافسة الشريفة في الحكم والفساد عندنا فهلوة وشطارة بينما لدى الآخرين هو نشاز وسقوط , والاغتيال عندنا لعبة بينما لدى الآخرين هو جريمة سياسية تستوجب العقاب ...

ابتلع السذج والعامة ما تروجه آلة الإعلام المجندة لخدمة الإستراتيجية الفاشلة للحكومة في السياسة والاقتصاد والتعليم وحتى الأمن فتجد أولئك السذج لا يلبثون من التشدق بما يسمونه الطفرة التنموية الهائلة التي يشهدها السودان في حين أن ثلثا الشعب يعاني من مجاعة حقيقية والثلث الباقي مصاب بسوء التغذية ولا تحدثني عن تردي الأحوال الصحية وعفونة المستشفيات والمرافق الصحية التي تكاد تفرغ مافي بطنك حين تلج إليها !! فتردي حال المستشفيات الحكومية والخاصة أصبح لا يحتمل فالأوساخ وسوء التصريف الصحي والفئران والبراغيث والقمل والسحالي أمست تتقاسم الأكل والفراش مع النزلاء بينما الكادر الطبي هو ايضاً يفتقر للمهنية وحتى النظافة الشخصية !! فلمن نشكو الحال ؟ لوزيرة الصحة تابيتا بطرس التي مُنحت لها الوزارة بعد نيفاشا مواساةً وتدليلاً وامتثالاً لتهديدات الحركة الشعبية في تقاسم السلطة وما يسمى مجازاً بحكومة الوحدة الوطنية .. ولكن السؤال الرئيسي هو : هل صحة المواطن السوداني تندرج تحت تقاسم السلطة أم أن الأمر يخضع لذائقة المؤتمر الوطني فهو الذي يعطي وهو الذي يأخذ يبيع ويشتري في المواطن السوداني بينما هذا الأخير يهتف بالروح بالدم نفديك يا البشير وهو يكاد يُصاب بغيبوبة من فرط انفعاله .. في حين يرقص صاحبنا طرباً ونشوة وهو يختال الهوينى بين البؤساء .. ونعود إلى الوضع الصحي وإلى حظائر الماشية المسماة مجازاً بالمستشفيات فالمرضى يئِنون من اليأس فالموت يلعق رقابهم تقرباً وشهوة في حين خلا وفاضهم من الدريهمات بعدما أخذها هوامير الأدوية وجحوش المستشفيات فالكل ينهش في لحمهم مؤازراً ومسانداً للجراثيم والفيروسات فالأمر سيّان ولا عزاء إلا في الصبر الجميل فربما تستغني عنهم الدنيا ويذهبون إلى جبار السموات والأرض ليقتص لهم من جبابرة الأرض أصحاب العمم البيضاء والعصي والكروش الممتلئة بما لذ وطاب من فراديس الدنيا !! إن الوضع الصحي في سوداننا المبتلى أضحى امراً يشكل تهديداً للصحة في حد ذاتها وإذا زار أحدكم بعض المستشفيات في الولايات مثل مستشفى كوستي مثلاً لأصابته فوبيا المستشفيات وربما يغشاه الموت بغتة من هول ما يرى , فرائحة اللحم الآدمي تفوح بين العنابر بينما ترى المراتب الممزقة تنشر في الشمس حتى تقضي أشعتها على البراغيث التي تعيش على دماء من يرقد عليها إلى ذلك يلزمك القفز بين الممرات حتى لا تطأ أقدامك مياه الصرف الصحي الطافحة من البالوعات وما أدراك ما مياه الصرف الصحي !! أما داخل العنابر فحدث ولا حرج فالأسرّة صدئة يكسوها السواد والجدران متسخة ومهترئة والأبواب حالها يغني عن السؤال !! والحر قائظ فلا يراوح المرضى ومرافقيهم بتحريك أثوابهم طلباً للهواء فحتى الهواء عز عليهم في بلد تهدي منتخب كرة قدم اجنبي 33 سيارة سعر الواحدة منها 25 ألف دولار فمستشفى كوستي لو أردنا فقط تلخيصه فهو يماثل مقبرة كبيرة فتحت بداخلها انفاقاً تصل بين كل قبر والذي يليه فليس هنالك فرق البتة .. هذا فضلاً عن الأخطاء الطبية وغياب ابسط أبجديات الرعاية الصحية من تعقيم ونظافة للمعدات الطبية ( إذا وُجدت اصلاً ) فكل هذه الترهات تُعد ترفاً أمام اختفاء مفهوم الصحة من الأساس في هذه المستشفيات

warwar
17-Dec-08, 23:18
..

بدت الايام الأولى من اجازتي في السودان مبهرة وشيقة فشكل الطرقات وطعم الهواء وشمس السودان تكاد تعانق جوانح نفسي فحتى الكتاحة وقسمات وجوه السابلة تدعو للارتياح وتضفي صفاءً عجيباً يذكرنا بالنكهة السودانية القديمة المتأصلة في جينات كل سوداني اطلق ساقيه في مناكب الدنيا يطلب السعة والأماني العذبة .. فحتى رئتاي حنت لاول اكسيد الكربون المتدفق من عوادم العربات على الطرق في حين هفت امعائي إلى طماطم وعجور الفراشة المختلط بتراب الأرض وطربت أذني لنداءاتهم الشجية المنطلقة من حناجرهم الشريفة البريئة : علينا جاي علينا جاي علينا جاي 3 بألف 3 بألف وحاجّات الفول المظلوط والويكة يجلسنّ على البنابر متعففات يرجعنّ البصر كرة على حدقات المارة وكرة على بضاعتهنّ وكأن لسان حالهنّ ينادي بالبيع مثله كحال زملاء المهنة من الرجال ... ولكنه الحياء والكبرياء جعل منهنّ رموزاً سودانية خالصة ونقية كالذهب ..
وما زالت الكهرباء تقطع بين الآونة والاخرى فتسمع ذات الاحتجاجات القديمة : الناس ديل عليك الله ما بالغوا !! معقولة في الحر دي يقطعوها ! الله لا كسبهم ! وأصبحت هذه المقولات جزءاً من التراث السوداني ( الاصيل) فما أن تتوسط الشمس كبد السماء وما أن تفيض الجباه عرقا حتى تتدلل الكهرباء وتتمنع في بلد ينتج النفط وتصهل على اديمه خيولُُ من الانهار الجامحة فحلاوة السودان ايها الأخوة في شقاوته وقسوته فنحن نزيّن وطننا بجمال روحنا وعفة لساننا وبياض قلوبنا وقد اطربنا عثمان حسين حينما ذكرنا بحسن نياتنا ونصاعة قلوبنا وإن لم نعفو كما فعل بطل رائعته عندما خاطب محبوبته :
مسامحك يا حبيبي مهما قسيت علي
قلبك عارفو ابيض وكلك حسن نية
وما خطرت لقلبي سلوى تحيدو عنك
ما ممكن اعاتبك وياخد خاطري منك
انا عارف خصامك وغضبك في كلامك
ما من جوة قلبك كله على لسانك
مسامحك يا حبيبي..
هكذا نحن نتنسم عبير سعادتنا داخل ردهات آلامنا ونؤمن بمستقبلنا قبل أن نتصالح مع ماضينا ففوضانا حلوة كما الشهد وعذاباتنا طرية غضة وناعمة كما الحرير ...

في صباح احد الايام نهضت باكراً متوجهاً إلى السوق العربي اروم استبدال ما معي من نقود اجنبية لأخرى سودانية فكانت الفكرة القديمة أن أذهب إلى السوق العربي لأنجز هذه المهمة وتفاجئت بتغير ملامح هذا السوق فما كان مثل عهده به حتى سحنات الناس قد تغيرت فرانت على خاطري نصيحة أخي الاصغر بألا اخرج الموبايل في طرقات السوق وأن انتبه إلى جيبي فالنشل والخطف اصبح أمراً عادياً تكاد تلحظه بين الفينة والأخرى في كل مكان حولك فأغلقت التلفون وبت في حالة طواريء عضوية تحول دون الاعتداء بقصد السرقة لمحت من بعيد شركة صرافة على احد الشوارع المكتظة بالباعة المتجولين فتوقفت عندها ودخلت ثم سألت البنت الجالسة لخدمة العملاء عن سعر العملة فأجابتني بسعر رخيص ينخفض كثيراً عما هو معروف في نشرة بنك السودان فلم استغرب هذه الفوضى الناتجة عن عدم التنظيم المصرفي ولم استعجب هذا التفاوت الكبير وحينها مددت لها ببضع وريقات واحتفظت بما تبقى لحين البحث عن سعر أفضل يرضي سريرتي فقد انهكني التعب من تعدد الخيارات واختلاف السبل ففي كل خطوة اخطوها وفي كل أمر أريده هنالك الغش والخداع واحياناً التعقيد والفساد فحمدت الله على ذلك واخذت الخشاش من الصرافة وبت اتجول في ارجاء السوق لعلي اعرف بعض معالمه الضائعة بمرور السنين ولكن لم يتغير شيء فذات البنايات والمحلات التجارية تزاول نشاطاتها غير أن سحنات الناس قد اختلفت تماماً فسألت صاحب محلات للاحذية اعجبتني بضاعته عن ذلك ؟ فأجابني بأن الكثير من الجنسيات الافريقية من دول مجاورة قد وفدت إلى الخرطوم عن طريق الهجرة غير الشرعية واصبحوا يعتاشون من بعض المهن الهامشية واحياناً النشل والسرقة فتملكني العجب من هذه العشوائية فاين أمن المواطن من كل هذا وماذا تفعل شرطة الهجرة ؟ ثم استثمرت فرصة وجودي داخل المحل لأحظى ببعض الأمن الشخصي على الاقل وانجزت بعض الاتصالات الهاتفية أثمرت عن دعوة لتناول الغداء في مدينة ام درمان التي احتفظ لها بالحظوة في قلبي ولي بين أزقتها الكثير من الذكريات الجميلة فاستلطفت الدعوة على الفور وشققت طريقي بين الزحام إلى شارع النيل ومنها عبرت إلى ام درمان وأنا اتوق إلى رؤية آثار الهجوم الاخير فلم الحظ شيء !! واستدركت أن المعارك قد حدثت على كبري الفتيحاب فانتابني شيء من الاحباط , وما أن دخلت مشارف سوق الموردة حتى تسللت إلى دواخلي رائحة السمك المقلي الذي لي معه الكثير من الاصحاب والايام الجميلة وارتسمت على محياي ابتسامة ساخرة ربما كنت وقتها استغرب حال هذه الدنيا وعجب اقدارها ومآلاتها .. وجلت بناظري اتفقد وجه أم درمان القديم فلم اجد سوى ذات الحنان والاريحية والشموخ فهاجت على سطح قلبي موجات من الحب والعشق وتدفقت بين شرايين وجداني دفقات من الحنين والشوق وأنا احرث بين شوارعها استرق النظر إلى محاسنها الفاتنة فأدمعت عيناي واختلط الفرح بالبكاء

اعترمت في صدري جملة من المشاعر المفعمة بالوجد والحنين وطافت امام اعيني صور ومشاهد قديمة لم تمحها مداولات الايام بتقلباتها المضنية فوجدتني اقتات الذكرى وأنا اعض على ناجزيَّ استطلع احوال أم درمان فها هي الأزقة بترابها الأحمر المصبوغ ما زالت تنادم برك المياه الصغيرة النابعة من بيوت الطين فترى الحسان يكشفن عن سيقانهنّ وهنّ يقفزنّ كالغزلان يحسبنّ المحجة لجةً وإن صار الصرح الممرد أم درمان فتمتمت بأبيات ابو صلاح المعروفة :
يا جوهر صدر المحافل * روحي معاك اتلطفيله
ما النور الفى حليه رافل* في حق نهده قلوبنا قافل
كالظبي الفى مقيله غافل * تاره يميل والتانيه جافل
وجهه ينور والبدر آفل * فوق للبدر يزيد نفيله
فالوجه الاجتماعي والثقافي لهذه المدينة جعل منها بوابة تلج عبرها كل خصائص المجتمع السوداني المعاصر بل شكلت في سواد انتاجها المعرفي جوهر الثقافة الوجدانية للسودانيين فجل الشعراء والفنانين والوطنيين والساسة والنجباء أفرزهم المجتمع الامدرماني وهذه حكاية طويلة ممتدة على اعتاب أجيال واجيال .
اسرجت ذاكرتي وأنا اتجول بين حاراتها واحياءها اتفرس بالنظر في السابلة والطرقات لعلي اظفر ببعض الزيت لاضرم فتيل الذكريات الذي خمدته رياح السنون المتغولة .. فألفيت لساني يردد رائعة عبد الرحمن الريح التي صدح بها ابن حي العرب الفنان الراحل إبراهيم عوض عندما غرّد بالذكرى :
هيجتني الذكرى ..
كيف عيوني الساحرة
يا نواعم تترى
الشجون مهتاجة
والخواطر سكرى
فسكرت بحب ام درمان وترنحت بين مفاتنها اروي عطشي من عذوبة تلقائيتها وطيبة اهلها وسمو روحهم وعلو نفسهم فهم ذوي معشر راقي وتواصل حميم يجاهرون بعشقهم الامدرماني على الملأ ...

حدت بي الطريق إلى دار صديقي بود نوباوي ذلك الحي التاريخي العريق الذي احتفظ فيه برزمة من الذكريات الحلوة فود نوباوي مثله كبقية احياء ام درمان يعيش فيه المجتمع كأسرة واحدة فالجميع يتناقل هذه العلاقة الفريدة جيلاً عن جيل ويفتخر أهل ود نوباوي بأنصاريتهم ويخلصون الولاء لآل المهدي بوصفهم سدنة الفكر المهدوي الإسلامي السياسي الوطني او كما يرون !!!
تبادلت السلام الحار مع صديقي وجلستُ في صحن داره العامرة نجتر حالنا وأحوالنا وانضم إلينا نفر من الجيران والاصحاب وتناولنا وجبة سودانية دسمة انتابتني بعدها حالة من الرضا والسرور فقد استرجعتُ بعض ما افقد من مظاهر الفعل الاجتماعي السوداني الاصيل .. فالغربة احياناً تأخذ منا الكثير والكثير بينما نحن نرضى بحفنة من الدريهمات ولا نكاد نصدق أننا حصلنا عليها غير آبهين بما فقدناه من اشياء واشياء .. فلظى الوحدة اللافح يحرمنا من أبسط يومياتنا السودانية فيا لهف نفسي على تلك الصينية المستديرة التي يتجمع عليها افراد الاسرة والراديو يقبع فوق المنضدة بجانبهم وموسيقى برنامج عالم الرياضة ترسل نغماتها التصويرية المميزة وكأنها تريد أن تثبت سودانية المشهد الاجتماعي وذيك الجريدة تراها مبعثرة على السرير وأمي تأخذ الكسرة لتضعها في صحن الباشري توطئةً لسكب مفروكة البامية المنكهة بالشمار الاخضر ونحنُ نسمي الله ونتناول غداءنا شاكرين حامدين وقانعين بفضله ورحمته علينا .. وتبسمت وقلت لنفسي إذا استطاع احدهم أن يبيع هذا الشعور والاحساس للمغتربين السودانيين لحقق أموالاً طائلة ولكنني استدركت أن روحنا السودانية لا تباع ولكن يمكن الحصول عليها على أرض الواقع داخل الوطن ... فتلمستُ كلمات أحمد رامي الرائعة في محبوبته التي صدحت بها كوكب الشرق أم كلثوم حينما شجت :
اقصر فؤادي
فما الذكرى بنافعة
ولا بشافعة
في رد ما كانا
سلا الفؤاد الذي
شاطرته زمنا
حمل الصبابة فاخفق
وحدك الأن
هلا أخذت لهذا اليوم أهبته
من قبل أن تصبح
الأشواق أشجانا
لهفي عليك
قضيت العمر مقتحماً
في الوصل نارا
وفي الهجر نيرانا
مضت بنا الساعات تطوي بنا اللقيا حتى آن ارخى المساء أستاره علينا ثم ودعتُ صاحبي وأخذت عاتقي صوب الخرطوم عابراً لكبري الفتيحاب فاستبقيتُ اتلفت ذت اليمين وذات الشمال لكي أرى آثار ( الهجوم الغاشم ) على أم درمان فما وجدت شيئا إلى أن انتهى بي الأمر إلى البيت لابدأ من جديد يوماً حافلاً داخل وطني ...

مرت الايام مسرعة تُقلبُ صفحات اجازتي القصيرة حتى بلغت منتصفها وانا اتنقل هنا وهناك احاول أن أروي ظماي واطفيء جذوات الوجد المتقدة في صدري, فقد طال بي الأمد حيناً من الدهرِ وانا اضرب الأرض البعيدة ابتغي متاع الدنيا .. تجولت في أنحاء الخرطوم وبت اتنقل بين طرقاتها ومطاعمها كالمجنون التائه واحياناً اتأنق واتهندم واخرج من البيت من غير هدف او مقصد سوى التبختر داخل وطني ( فأنا لدي وطن ) !! ولست متشرداً بالجوار أو غاصباً تعوزه الحُجة فلماذا لا امشي الخيلاء داخل وطني وكأني به املكه بقبضتيَّ هاتين !!
لفتت انظاري قطعان العوانس الزاحفة على الطرقات والمركبات العامة ولسان حالهنَّ يعزي حالهنَّ فقد فعل الدهر بهنّ الافاعيل فذبلت وجناتهنّ وتهدلت صدورهنّ وعبست ثغورهنّ فيا لحسرة نفسي على حظهنً وهو يفتح فاه ليخرج لسانه الطويل ويمده هكذا لا يلوي على شيء سوى السخرية والنيل منهنّ وكأنه على موعد مع الثار والخصام .. قاتله الله ..
وباتت الأسر تخطب لكريماتها وتتفنن في إلقاء شباكها على فرائسها من الشباب الذي بدوره سئم اللعبة واصبح هو الآخر يدندن بطريقته الخاصة على موازين العرض والطلب فالأمر أضحى كالسوق فللجميع بضاعته .. فهنالك العانس سليلة الحسب والنسب وهناك أخرى صاحبة مال وجاه بينما تجد الثالثة تبتسم امامك وهي تفغر فاها لتريك جمال اسنانها المعطوبة وهي تحدق فيك بأعينها الجاحظة المثقلة بالكحل والمزخرفة بالألوان الفرائحية وغير الفرائحية تريد أن تخطب ودك في حين أنك تكاد تفر من أمامها تبغى النجاة والغوث ( أعانك الله) .. فحواء أمست تتلوى من اليأس والقنوط ففيما مضى كانت تظهر كبريائها وعظمتها في أن تختار أو ترد من يعتزم الاقتران بها فكان المغترب في الثمانينات هو الصيد الثمين الذي يؤمن المستقبل بالمال والاستقرار ثم أتت حقبة الكيزان واندثر المغترب على عقبيه وساد الكيزان بدورهم على حلبة المنافسة واستمر الحال يترى إلى أن اقترن جميع الكيزان وباتت لدينا فجوة متسعة ونقص كبير في الأنفس والعرسان فدفعت حواء المسكينة الثمن غالياً حتى تكسرت اسنانها واشتعل راسها شيباً وغماً تحلم بالمفاجأة وبغتة الزواج @ هكذا ينزل من السماء واهل الأرض في غيهم يلعبون ...

واطبقت الدنيا بأسنانها على حواء السودانية ولم تعض فيها إلا مواضع السعادة والحب وثقبت شرايينها وسال دم حواء يروي التراب فأحاله إلى ثرى تتناثر من حوله احلام الزواج وخيالات الأسرة المطعمة بالاطفال .. فالشباب أدار ظهره لحواء وهذه الأخرى اكتسبت مهارات عديدة لتسويق نفسها وطرح خياراتها وتنازلاتها وتخفيضاتها فعش الزوجية مثلاً بالإمكان تدبيره والمشاركة الثنائية في أعباء الاسرة امراً محسوماً لا يمكن المزايدة عليه أما عربة حواء قبل الزواج فمن الممكن أن تتحول بقدرة قادر إلى شراكة نزيهة يمثل فيها الزوج الطرف الأول والزوجة المالك القديم الطرف الثاني ... فكل الخيارات مطروحة على الطاولة فبمجرد الاتفاق عليها يتم استدعاء المأذون وتوزيع رقاع الدعوة على الاقارب والاصحاب لتتحلل حواء وتنزع عنها احرام العنوسة لترتدي بعده فستان الزفاف ثم القرمصيص والجدلة بل قد تذهب بها نشوة الانفعال إلى أن تملأ فمها بالحليب وتنثره على صاحبنا وسط عنان الزغاريد وترانيم الحبوبات وهذا الأخير لا يلبث من فرقعة اصابعه وهو يبادل من حوله عبارات التهنئة والمباركة هاشاً باشاً رغم اعترافه لنفسه بأن من تجلس بجانبه هي التي تزوجته وهو لم يملك إلا الموافقة فحتى ( سد المال) الذي قدمه لأهل العروس وكل الهراء الذي صاحبه من تفاخر وتمجيد وتباهي وتزويق قد رد إليه بالباب الخلفي الذي تحرسه العروس فلدينا أيها السادة مسرحية وممثلين وايضاً مسرح وكواليس فكل شيء من الممكن أن يحدث فيكفي أن يتوشح الشاب بالجرأة ويستغني عن القليل من الكرامة والنبل فالمسافة التي تفصل بين الهناء والشقاء تستلزم الزوادة وتحمل مشقة الطريق فليس بالأماني وحدها يعيش الإنسان ...
فحواء يا اصدقائي تجشمت الكثير من العناء والمسؤولية عندما صَعّر الشباب خدودهم وقطّبوا جبينهم ممانعين مستنكفين لا يقف بهم الحال إلا عند مفترق الطريق وحينئذٍ تتقدم حواء بثبات فتحمل اوزارهم فيبتسمون لها وتكمل معهم الطريق ....






واحد سودانى

Eljalie
17-Dec-08, 23:58
Warwar,
My God Bless you, your post is brilliant and so lucid that I printed some of it to read in bed now.

I do thank you again, and I think this is one of the best posts I read in this SDB.

Please continue and I will be back to to read the rest of the facts.

Thank you once again

Affan
18-Dec-08, 00:53
حضور ..... و متابعة دقيقة

:flag: :flag: :flag:

Scopy DO
18-Dec-08, 02:32
تسلم ومشكور جدا يا
Warwar

نرجو المواصلة


لك التحية

Computergy
18-Dec-08, 02:54
ورور, اضحك الله سنك.
بوستك كان جدل هذا الصباح فى بيتنا.
الوالد يسب و يلعن فى اليوم الذى سمع به عن الكيزان
و الوالده قالت الزول دا ما شاف حاجة فى السودان و كان لقتك بتقطع اضانك, اصلها وطنيه لدرجة التأمل, بأختصار الحاجة عندها البشير دا الخليفه الراشد.
اما الشباب فشالو هم, و المفروض يمشى يقرأ الجامعة فى السودان السنة الجاية حلف بأغلظ الايمان كان ركبو سودانيير الا يفجرا.
غايتو البوست دا عمل هرج ومرج فى بيتنا. الناس لحدى اسى مدورين, الشاى برد و الناس حا تتأخر على اشغالها.
غايتو بوست قمة فى الروعة.
تحياتى

sudani57
18-Dec-08, 03:33
سلام فعلا بوست جميل يا ورور يا اخي احيانا تخوفنا نمشي السودان واحيانا تحسسنا اننا ضيعنا زمنّا بالبعد عنه -فعلا دا حالنا معاه زي البقول لا بريدك ولا بحمل بلاك
السودان بناسه وطيبته رغم الصعوبات ونكد الحياة نظل الافضل اجتماعيا في تقديري ونسأل الله ان يصلح حال البلد ويعمه السلام والرخاء والامن

Scopy DO
18-Dec-08, 03:39
مستشفى كوستي مثلاً لأصابته فوبيا المستشفيات وربما يغشاه الموت بغتة من هول ما يرى , فرائحة اللحم الآدمي تفوح بين العنابر بينما ترى المراتب الممزقة تنشر في الشمس حتى تقضي أشعتها على البراغيث التي تعيش على دماء من يرقد عليها إلى ذلك يلزمك القفز بين الممرات حتى لا تطأ أقدامك مياه الصرف الصحي الطافحة من البالوعات وما أدراك ما مياه الصرف الصحي !! أما داخل العنابر فحدث ولا حرج فالأسرّة صدئة يكسوها السواد والجدران متسخة ومهترئة والأبواب حالها يغني عن السؤال !! والحر قائظ فلا يراوح المرضى ومرافقيهم بتحريك أثوابهم طلباً للهواء فحتى الهواء عز عليهم في بلد تهدي منتخب كرة قدم اجنبي 33 سيارة سعر الواحدة منها 25 ألف دولار فمستشفى كوستي لو أردنا فقط تلخيصه فهو يماثل مقبرة كبيرة فتحت بداخلها انفاقاً تصل بين كل قبر والذي يليه فليس هنالك فرق البتة .. هذا فضلاً عن الأخطاء الطبية وغياب ابسط أبجديات الرعاية الصحية من تعقيم ونظافة للمعدات الطبية ( إذا وُجدت اصلاً ) فكل هذه الترهات تُعد ترفاً أمام اختفاء مفهوم الصحة من الأساس في هذه المستشفيات

ياخى والله دى معادلة تحير الما بتحير زاتو؟؟؟؟

SMM
18-Dec-08, 04:49
يازول انت طيارتك دي نزلت في ياتو مطار؟ اوعي يكون مطار جوبا او المطار الحربي

انا السنة دي زرت السودان- ظباط الأمن استقبلوا الناس احسن استقبال و ملوا الفورمات للصينيين الجايين معاي الطيارة و قالوا لي اهلا يا عريس قبل ما يختموا الجواز

و الناس كلها مشت جابت شنطها من السير و اتخارجت و الله ما شفت زول واحد فتشوا شنطته

حكاية الفساد في المرافق الحكومية دي صحي موجودة لكن ما كل الموظفين كده،برضوا بتلقي البخاف ربه

حكاية العرس دي صحيحة و العربات الكورية و الديون صاح مية المية و كلامك عن اخلاق الناس مية المية،كلوا زول بقي يقول يا روحي و الناس بقت مادية جدا و اوعك تأمن زول بدولار واحد
بعدين طيبة زمان ديك انتهت و بقي ما في زول فاضي لزول و الناس بطلعوا الصباح بجوا المغرب يعني جارين جري الوحوش و لو تذكرك زول امكن يزورك يوم العيد لو كان فاضي
برضو الناس تعولمت و لقيتهم متابعين اوبرا ونفري و دكتور فل و بقي يفهموا الصاح من الغلط، و كتير من العادات و التقاليد السيئة انتهت

مفهوم الفردية و الاستهلاك اصبح متجذر جدا،الفردية اصبحت متجسدة في البيت الواحد و الأسرة الواحدة يعني كل زول في الأسرة عندو عربيتوا الخاصة و كمبيوتروا الخاص و موبايلوا الخاص و مفتاح
للبيت خاص عشان يخش يمرق علي كيفه ،حتي ناس البيت ما بكونوا عارفينه قاعد في البيت و لا طلع
و كل واحد في الأسرة عنده حساب بنك خاص تلفزيون خاص و استريو خاص. الناس زمان كانت بتتشارك في الفنلة و كان عادي جدا تجي تلقي فنلتك لبسها اخوك او استلفها ود الجيران

اما الاستهلاك فحدث ولا حرج و التباهي و الفشخرة عايزا ليها كتاب عديل،انا موبايلي القديم الجبتوا معاي من استراليا ندموني عليه و دسيته لقايت ما رجعت استراليا

اتصلت بواحد من اصحابي في سلطنة عمان و حكيت له الموضوع قلته له الناس استغربوا في موبايلي النوكيا مع انه اشتريته قبل سنتين و لسه جديد،صحبي ضحك و قال لي المغتربين في عمان لمن يكونوا ماشين اجازة للسودان اول حاجة بعملوها قبل السفر بشتروا موبايل جديد

همسة
18-Dec-08, 05:13
سبحان الله
كلامك ميه الميه...

زمان الناس بقولو لمن تطلع من السودان بتجيك صدمه حضاريه
اسي بقى العكس ترجع السودان بعد زمن بعيد ولا قريب
تلقى البلد اتغيرت 180 درجه

أكتر حاجه ملاحظه وبتزعل الواحد
تغير الناس وأخلاق الناس والطيبه الزمان تقريبا اتمسحت والناس إنشغلت
لمات أهل ووناسات زي زمان مافي

الغلا والسباق في الموضه والبوبار
الناس دي بتاكل من وين ما تعرفه .. المهم الناس عايشه

عبرت عننا بقصتك يا وروار
لكن بلدنا مهما اتغيرت بنحن ليها ولي شوارعا
وريحة النيل المزكومه بريحة الناس الشقيانه

ياخ بس ربنا يعين
ويصلح الحال

Al-Ingeeb
18-Dec-08, 05:39
الأخ ور ور
فليسعدك الإله
فبوستك هذا أثار فينا الشجون ، وحرك فينا عصب الأشواق وأوقد "جوانا" قناديل الأمنيات .
ولحسن ذكاءك الفطري أنك ابتدرت لنا الموضوع بتلك الأشياء المخيفة التي أصابتنا بالرعب وجعلتنا نشعر بأن السودان أصبح في خبر كان
ثم ختمت بكل ما هو جميل ..

أرجو أن تزيدنا مما لديك ولا تتفّه شيئا حدثنا بكل ما استطاعت كاميرا ذاتك النقية من التقاطه ، ارفدنا بتفاصيل التفاصيل ولا تكترث "ينوبك ثواب" فنحن بحاجة إلى كل لمحة وكل قصة وكل حادثة .

Sanjak
18-Dec-08, 05:39
warwar
يا أخ حرب حرب حمدلله على سلامتك
لكن كلامك دا معناهو السودان ما فيهو أي حاجة نافعة
بصراحة كدا انت ما قلت أي حاجة تخلي الواحد يحس بأنك متفائل شوية
أظن أنك متشائم شديد يا أخي



هل كل المجتمع السوداني بقى يتعامل بالرشوة
لا أظن

هل كل موظفين الحكومة حرامية
برضو لأ


و بعدين إسائتك للخطوط السودانية و خدماتها برضو متشائمة
يعني داير يدوك وجبة فيها اللحوم و الشحوم في حين إنو الرحلة من الخرطوم لجدة زمنها أقل من رحلة صنعاء جدة و التي تقدم فيها الخطوط السعودية وجبة عبارة عن عصير أب مصـّـــاص و ساندوتش بتاع جبنة

لا يجدر بك أن تقارن بين الخطوط السودانية مع مثلياتها من الخليجية

أظن أنّ المغتربين أمثالنا يتناسو السودان بعد اغترابهم و يبدؤن باجراء المقارنات ما بين السودان الوطن الأم و الدولة اللي اغتربو بها
صحيح السودان فيو الكعب و فيو الكويس لكن ما سئ للدرجة دي

Scorpius
18-Dec-08, 05:40
http://www.alnilin.com/vb/showthread.php?t=59561

1- Ctrl A
2- Ctrl C (Copy)
3- Ctrl V (Paste)

Sanjak
18-Dec-08, 06:03
http://www.alnilin.com/vb/showthread.php?t=59561

1- Ctrl A
2- Ctrl C (Copy)
3- Ctrl V (Paste)

حنك بيش يعني يا سكوربيو
:eek:





:lool:

انا مسلم
18-Dec-08, 06:26
الاخ
ورور
السلام عليكم

اخى ان هذه المتغيرات فعلا قد طرات على المجتمع السودانى وكلنا قد ادمى الحزن قلوبنا على ما ال اليه حالنا
ولكن يا اخى لايكون الكلام بمثل هذه النظرة السوداوية لحالنا بل ان الامل الجميل مازال موجودا فينا
انا اتخيلك قد جئت الى السودان فقط لتخرج عيوبه وتنظر كل عليلة وتجاهلت كل جميل به
فيا اخى ان الحكومة قد ضيقت علينا حياتنا وتفننت فى ابتزازنا واخراج ما فى جيوبنا
ولكنهم ذاهبون لامحالة فتلك سنة الله فى الارض لذا نحن فى السودان نتمسك بجمالنا الداخلى وحبنا لهذا الوطن العميق لنخرجه فى الوقت المناسب املا وتنميه ورخاء


ونامل انو الجاى صباحا اجمل



CRY MY BELOVED COUNTRY
:tears::tears::tears:

alklaklah
18-Dec-08, 06:49
يمكن ياهو كونج البهناك فى النيلين زاتو

winner
18-Dec-08, 06:57
شكراً على السرد الرائع
والوصف الدقيق والممتع

warwar
18-Dec-08, 11:23
ورور, اضحك الله سنك.
بوستك كان جدل هذا الصباح فى بيتنا.
الوالد يسب و يلعن فى اليوم الذى سمع به عن الكيزان
و الوالده قالت الزول دا ما شاف حاجة فى السودان و كان لقتك بتقطع اضانك, اصلها وطنيه لدرجة التأمل, بأختصار الحاجة عندها البشير دا الخليفه الراشد.
اما الشباب فشالو هم, و المفروض يمشى يقرأ الجامعة فى السودان السنة الجاية حلف بأغلظ الايمان كان ركبو سودانيير الا يفجرا.
غايتو البوست دا عمل هرج ومرج فى بيتنا. الناس لحدى اسى مدورين, الشاى برد و الناس حا تتأخر على اشغالها.
غايتو بوست قمة فى الروعة.
تحياتى

لك و لاسرتكا كل الود وحفظكم برعايتة و الى لامام :clap::clap::clap:

zoal
18-Dec-08, 11:29
..

بدت الايام الأولى من اجازتي في السودان مبهرة وشيقة فشكل الطرقات وطعم الهواء وشمس السودان تكاد تعانق جوانح نفسي فحتى الكتاحة وقسمات وجوه السابلة تدعو للارتياح وتضفي صفاءً عجيباً يذكرنا بالنكهة السودانية القديمة المتأصلة في جينات كل سوداني اطلق ساقيه في مناكب الدنيا يطلب السعة والأماني العذبة .. فحتى رئتاي حنت لاول اكسيد الكربون المتدفق من عوادم العربات على الطرق في حين هفت امعائي إلى طماطم وعجور الفراشة المختلط بتراب الأرض وطربت أذني لنداءاتهم الشجية المنطلقة من حناجرهم الشريفة البريئة : علينا جاي علينا جاي علينا جاي 3 بألف 3 بألف وحاجّات الفول المظلوط والويكة يجلسنّ على البنابر متعففات يرجعنّ البصر كرة على حدقات المارة وكرة على بضاعتهنّ وكأن لسان حالهنّ ينادي بالبيع مثله كحال زملاء المهنة من الرجال ... ولكنه الحياء والكبرياء جعل منهنّ رموزاً سودانية خالصة ونقية كالذهب ..
وما زالت الكهرباء تقطع بين الآونة والاخرى فتسمع ذات الاحتجاجات القديمة : الناس ديل عليك الله ما بالغوا !! معقولة في الحر دي يقطعوها ! الله لا كسبهم ! وأصبحت هذه المقولات جزءاً من التراث السوداني ( الاصيل) فما أن تتوسط الشمس كبد السماء وما أن تفيض الجباه عرقا حتى تتدلل الكهرباء وتتمنع في بلد ينتج النفط وتصهل على اديمه خيولُُ من الانهار الجامحة فحلاوة السودان ايها الأخوة في شقاوته وقسوته فنحن نزيّن وطننا بجمال روحنا وعفة لساننا وبياض قلوبنا وقد اطربنا عثمان حسين حينما ذكرنا بحسن نياتنا ونصاعة قلوبنا وإن لم نعفو كما فعل بطل رائعته عندما خاطب محبوبته :
مسامحك يا حبيبي مهما قسيت علي
قلبك عارفو ابيض وكلك حسن نية
وما خطرت لقلبي سلوى تحيدو عنك
ما ممكن اعاتبك وياخد خاطري منك
انا عارف خصامك وغضبك في كلامك
ما من جوة قلبك كله على لسانك
مسامحك يا حبيبي..
هكذا نحن نتنسم عبير سعادتنا داخل ردهات آلامنا ونؤمن بمستقبلنا قبل أن نتصالح مع ماضينا ففوضانا حلوة كما الشهد وعذاباتنا طرية غضة وناعمة كما الحرير ...

في صباح احد الايام نهضت باكراً متوجهاً إلى السوق العربي اروم استبدال ما معي من نقود اجنبية لأخرى سودانية فكانت الفكرة القديمة أن أذهب إلى السوق العربي لأنجز هذه المهمة وتفاجئت بتغير ملامح هذا السوق فما كان مثل عهده به حتى سحنات الناس قد تغيرت فرانت على خاطري نصيحة أخي الاصغر بألا اخرج الموبايل في طرقات السوق وأن انتبه إلى جيبي فالنشل والخطف اصبح أمراً عادياً تكاد تلحظه بين الفينة والأخرى في كل مكان حولك فأغلقت التلفون وبت في حالة طواريء عضوية تحول دون الاعتداء بقصد السرقة لمحت من بعيد شركة صرافة على احد الشوارع المكتظة بالباعة المتجولين فتوقفت عندها ودخلت ثم سألت البنت الجالسة لخدمة العملاء عن سعر العملة فأجابتني بسعر رخيص ينخفض كثيراً عما هو معروف في نشرة بنك السودان فلم استغرب هذه الفوضى الناتجة عن عدم التنظيم المصرفي ولم استعجب هذا التفاوت الكبير وحينها مددت لها ببضع وريقات واحتفظت بما تبقى لحين البحث عن سعر أفضل يرضي سريرتي فقد انهكني التعب من تعدد الخيارات واختلاف السبل ففي كل خطوة اخطوها وفي كل أمر أريده هنالك الغش والخداع واحياناً التعقيد والفساد فحمدت الله على ذلك واخذت الخشاش من الصرافة وبت اتجول في ارجاء السوق لعلي اعرف بعض معالمه الضائعة بمرور السنين ولكن لم يتغير شيء فذات البنايات والمحلات التجارية تزاول نشاطاتها غير أن سحنات الناس قد اختلفت تماماً فسألت صاحب محلات للاحذية اعجبتني بضاعته عن ذلك ؟ فأجابني بأن الكثير من الجنسيات الافريقية من دول مجاورة قد وفدت إلى الخرطوم عن طريق الهجرة غير الشرعية واصبحوا يعتاشون من بعض المهن الهامشية واحياناً النشل والسرقة فتملكني العجب من هذه العشوائية فاين أمن المواطن من كل هذا وماذا تفعل شرطة الهجرة ؟ ثم استثمرت فرصة وجودي داخل المحل لأحظى ببعض الأمن الشخصي على الاقل وانجزت بعض الاتصالات الهاتفية أثمرت عن دعوة لتناول الغداء في مدينة ام درمان التي احتفظ لها بالحظوة في قلبي ولي بين أزقتها الكثير من الذكريات الجميلة فاستلطفت الدعوة على الفور وشققت طريقي بين الزحام إلى شارع النيل ومنها عبرت إلى ام درمان وأنا اتوق إلى رؤية آثار الهجوم الاخير فلم الحظ شيء !! واستدركت أن المعارك قد حدثت على كبري الفتيحاب فانتابني شيء من الاحباط , وما أن دخلت مشارف سوق الموردة حتى تسللت إلى دواخلي رائحة السمك المقلي الذي لي معه الكثير من الاصحاب والايام الجميلة وارتسمت على محياي ابتسامة ساخرة ربما كنت وقتها استغرب حال هذه الدنيا وعجب اقدارها ومآلاتها .. وجلت بناظري اتفقد وجه أم درمان القديم فلم اجد سوى ذات الحنان والاريحية والشموخ فهاجت على سطح قلبي موجات من الحب والعشق وتدفقت بين شرايين وجداني دفقات من الحنين والشوق وأنا احرث بين شوارعها استرق النظر إلى محاسنها الفاتنة فأدمعت عيناي واختلط الفرح بالبكاء

اعترمت في صدري جملة من المشاعر المفعمة بالوجد والحنين وطافت امام اعيني صور ومشاهد قديمة لم تمحها مداولات الايام بتقلباتها المضنية فوجدتني اقتات الذكرى وأنا اعض على ناجزيَّ استطلع احوال أم درمان فها هي الأزقة بترابها الأحمر المصبوغ ما زالت تنادم برك المياه الصغيرة النابعة من بيوت الطين فترى الحسان يكشفن عن سيقانهنّ وهنّ يقفزنّ كالغزلان يحسبنّ المحجة لجةً وإن صار الصرح الممرد أم درمان فتمتمت بأبيات ابو صلاح المعروفة :
يا جوهر صدر المحافل * روحي معاك اتلطفيله
ما النور الفى حليه رافل* في حق نهده قلوبنا قافل
كالظبي الفى مقيله غافل * تاره يميل والتانيه جافل
وجهه ينور والبدر آفل * فوق للبدر يزيد نفيله
فالوجه الاجتماعي والثقافي لهذه المدينة جعل منها بوابة تلج عبرها كل خصائص المجتمع السوداني المعاصر بل شكلت في سواد انتاجها المعرفي جوهر الثقافة الوجدانية للسودانيين فجل الشعراء والفنانين والوطنيين والساسة والنجباء أفرزهم المجتمع الامدرماني وهذه حكاية طويلة ممتدة على اعتاب أجيال واجيال .
اسرجت ذاكرتي وأنا اتجول بين حاراتها واحياءها اتفرس بالنظر في السابلة والطرقات لعلي اظفر ببعض الزيت لاضرم فتيل الذكريات الذي خمدته رياح السنون المتغولة .. فألفيت لساني يردد رائعة عبد الرحمن الريح التي صدح بها ابن حي العرب الفنان الراحل إبراهيم عوض عندما غرّد بالذكرى :
هيجتني الذكرى ..
كيف عيوني الساحرة
يا نواعم تترى
الشجون مهتاجة
والخواطر سكرى
فسكرت بحب ام درمان وترنحت بين مفاتنها اروي عطشي من عذوبة تلقائيتها وطيبة اهلها وسمو روحهم وعلو نفسهم فهم ذوي معشر راقي وتواصل حميم يجاهرون بعشقهم الامدرماني على الملأ ...

حدت بي الطريق إلى دار صديقي بود نوباوي ذلك الحي التاريخي العريق الذي احتفظ فيه برزمة من الذكريات الحلوة فود نوباوي مثله كبقية احياء ام درمان يعيش فيه المجتمع كأسرة واحدة فالجميع يتناقل هذه العلاقة الفريدة جيلاً عن جيل ويفتخر أهل ود نوباوي بأنصاريتهم ويخلصون الولاء لآل المهدي بوصفهم سدنة الفكر المهدوي الإسلامي السياسي الوطني او كما يرون !!!
تبادلت السلام الحار مع صديقي وجلستُ في صحن داره العامرة نجتر حالنا وأحوالنا وانضم إلينا نفر من الجيران والاصحاب وتناولنا وجبة سودانية دسمة انتابتني بعدها حالة من الرضا والسرور فقد استرجعتُ بعض ما افقد من مظاهر الفعل الاجتماعي السوداني الاصيل .. فالغربة احياناً تأخذ منا الكثير والكثير بينما نحن نرضى بحفنة من الدريهمات ولا نكاد نصدق أننا حصلنا عليها غير آبهين بما فقدناه من اشياء واشياء .. فلظى الوحدة اللافح يحرمنا من أبسط يومياتنا السودانية فيا لهف نفسي على تلك الصينية المستديرة التي يتجمع عليها افراد الاسرة والراديو يقبع فوق المنضدة بجانبهم وموسيقى برنامج عالم الرياضة ترسل نغماتها التصويرية المميزة وكأنها تريد أن تثبت سودانية المشهد الاجتماعي وذيك الجريدة تراها مبعثرة على السرير وأمي تأخذ الكسرة لتضعها في صحن الباشري توطئةً لسكب مفروكة البامية المنكهة بالشمار الاخضر ونحنُ نسمي الله ونتناول غداءنا شاكرين حامدين وقانعين بفضله ورحمته علينا .. وتبسمت وقلت لنفسي إذا استطاع احدهم أن يبيع هذا الشعور والاحساس للمغتربين السودانيين لحقق أموالاً طائلة ولكنني استدركت أن روحنا السودانية لا تباع ولكن يمكن الحصول عليها على أرض الواقع داخل الوطن ... فتلمستُ كلمات أحمد رامي الرائعة في محبوبته التي صدحت بها كوكب الشرق أم كلثوم حينما شجت :
اقصر فؤادي
فما الذكرى بنافعة
ولا بشافعة
في رد ما كانا
سلا الفؤاد الذي
شاطرته زمنا
حمل الصبابة فاخفق
وحدك الأن
هلا أخذت لهذا اليوم أهبته
من قبل أن تصبح
الأشواق أشجانا
لهفي عليك
قضيت العمر مقتحماً
في الوصل نارا
وفي الهجر نيرانا
مضت بنا الساعات تطوي بنا اللقيا حتى آن ارخى المساء أستاره علينا ثم ودعتُ صاحبي وأخذت عاتقي صوب الخرطوم عابراً لكبري الفتيحاب فاستبقيتُ اتلفت ذت اليمين وذات الشمال لكي أرى آثار ( الهجوم الغاشم ) على أم درمان فما وجدت شيئا إلى أن انتهى بي الأمر إلى البيت لابدأ من جديد يوماً حافلاً داخل وطني ...

مرت الايام مسرعة تُقلبُ صفحات اجازتي القصيرة حتى بلغت منتصفها وانا اتنقل هنا وهناك احاول أن أروي ظماي واطفيء جذوات الوجد المتقدة في صدري, فقد طال بي الأمد حيناً من الدهرِ وانا اضرب الأرض البعيدة ابتغي متاع الدنيا .. تجولت في أنحاء الخرطوم وبت اتنقل بين طرقاتها ومطاعمها كالمجنون التائه واحياناً اتأنق واتهندم واخرج من البيت من غير هدف او مقصد سوى التبختر داخل وطني ( فأنا لدي وطن ) !! ولست متشرداً بالجوار أو غاصباً تعوزه الحُجة فلماذا لا امشي الخيلاء داخل وطني وكأني به املكه بقبضتيَّ هاتين !!
لفتت انظاري قطعان العوانس الزاحفة على الطرقات والمركبات العامة ولسان حالهنَّ يعزي حالهنَّ فقد فعل الدهر بهنّ الافاعيل فذبلت وجناتهنّ وتهدلت صدورهنّ وعبست ثغورهنّ فيا لحسرة نفسي على حظهنً وهو يفتح فاه ليخرج لسانه الطويل ويمده هكذا لا يلوي على شيء سوى السخرية والنيل منهنّ وكأنه على موعد مع الثار والخصام .. قاتله الله ..
وباتت الأسر تخطب لكريماتها وتتفنن في إلقاء شباكها على فرائسها من الشباب الذي بدوره سئم اللعبة واصبح هو الآخر يدندن بطريقته الخاصة على موازين العرض والطلب فالأمر أضحى كالسوق فللجميع بضاعته .. فهنالك العانس سليلة الحسب والنسب وهناك أخرى صاحبة مال وجاه بينما تجد الثالثة تبتسم امامك وهي تفغر فاها لتريك جمال اسنانها المعطوبة وهي تحدق فيك بأعينها الجاحظة المثقلة بالكحل والمزخرفة بالألوان الفرائحية وغير الفرائحية تريد أن تخطب ودك في حين أنك تكاد تفر من أمامها تبغى النجاة والغوث ( أعانك الله) .. فحواء أمست تتلوى من اليأس والقنوط ففيما مضى كانت تظهر كبريائها وعظمتها في أن تختار أو ترد من يعتزم الاقتران بها فكان المغترب في الثمانينات هو الصيد الثمين الذي يؤمن المستقبل بالمال والاستقرار ثم أتت حقبة الكيزان واندثر المغترب على عقبيه وساد الكيزان بدورهم على حلبة المنافسة واستمر الحال يترى إلى أن اقترن جميع الكيزان وباتت لدينا فجوة متسعة ونقص كبير في الأنفس والعرسان فدفعت حواء المسكينة الثمن غالياً حتى تكسرت اسنانها واشتعل راسها شيباً وغماً تحلم بالمفاجأة وبغتة الزواج @ هكذا ينزل من السماء واهل الأرض في غيهم يلعبون ...

واطبقت الدنيا بأسنانها على حواء السودانية ولم تعض فيها إلا مواضع السعادة والحب وثقبت شرايينها وسال دم حواء يروي التراب فأحاله إلى ثرى تتناثر من حوله احلام الزواج وخيالات الأسرة المطعمة بالاطفال .. فالشباب أدار ظهره لحواء وهذه الأخرى اكتسبت مهارات عديدة لتسويق نفسها وطرح خياراتها وتنازلاتها وتخفيضاتها فعش الزوجية مثلاً بالإمكان تدبيره والمشاركة الثنائية في أعباء الاسرة امراً محسوماً لا يمكن المزايدة عليه أما عربة حواء قبل الزواج فمن الممكن أن تتحول بقدرة قادر إلى شراكة نزيهة يمثل فيها الزوج الطرف الأول والزوجة المالك القديم الطرف الثاني ... فكل الخيارات مطروحة على الطاولة فبمجرد الاتفاق عليها يتم استدعاء المأذون وتوزيع رقاع الدعوة على الاقارب والاصحاب لتتحلل حواء وتنزع عنها احرام العنوسة لترتدي بعده فستان الزفاف ثم القرمصيص والجدلة بل قد تذهب بها نشوة الانفعال إلى أن تملأ فمها بالحليب وتنثره على صاحبنا وسط عنان الزغاريد وترانيم الحبوبات وهذا الأخير لا يلبث من فرقعة اصابعه وهو يبادل من حوله عبارات التهنئة والمباركة هاشاً باشاً رغم اعترافه لنفسه بأن من تجلس بجانبه هي التي تزوجته وهو لم يملك إلا الموافقة فحتى ( سد المال) الذي قدمه لأهل العروس وكل الهراء الذي صاحبه من تفاخر وتمجيد وتباهي وتزويق قد رد إليه بالباب الخلفي الذي تحرسه العروس فلدينا أيها السادة مسرحية وممثلين وايضاً مسرح وكواليس فكل شيء من الممكن أن يحدث فيكفي أن يتوشح الشاب بالجرأة ويستغني عن القليل من الكرامة والنبل فالمسافة التي تفصل بين الهناء والشقاء تستلزم الزوادة وتحمل مشقة الطريق فليس بالأماني وحدها يعيش الإنسان ...
فحواء يا اصدقائي تجشمت الكثير من العناء والمسؤولية عندما صَعّر الشباب خدودهم وقطّبوا جبينهم ممانعين مستنكفين لا يقف بهم الحال إلا عند مفترق الطريق وحينئذٍ تتقدم حواء بثبات فتحمل اوزارهم فيبتسمون لها وتكمل معهم الطريق ....

منقول

النص الاصلى الرجاء الدخول
http://www.alnilin.com/vb/showthread.php?t=59561




واحد سودانى

ماتبقى من البوست


:D:D:D:D

ماسوره
18-Dec-08, 12:26
ورور والله يا ريت لو كان وريتنا المصدر
:roll:

على العوم تحيه طيبه ليك

:)

Affan
18-Dec-08, 12:31
ورور والله يا ريت لو كان وريتنا المصدر
:roll:

على العوم تحيه طيبه ليك

:)


عندك شك فى انه دى صفحة من مذكراته ؟

Affan
18-Dec-08, 12:32
:roll: :roll:

......................
.......................

ماسوره
18-Dec-08, 12:49
عندك شك فى انه دى صفحة من مذكراته ؟

لا اعلم يا صديقي
وياريت لو هو يجي يورينا دا كلامو ولا كلام زول تاني

:roll:


تحياتي لك


:)

استيف
18-Dec-08, 14:14
مرحب بعودتك ...واروار
فعلا قصص محبطة...منها تستقي بساتين الفساد، وترتوي جذوره الشيطانية والعياذ بالله
اوجزت وابلغت جزاك عنا الله
نعم اصبح المواطن عرايا وفي العراء ...جُرد من كل دعم كان واصل ولو قليل
ووضع في صناديق لدعم الكيزان والموالين منذ الانقلاب وحتى الساعة
ما يُرى من مظاهر تنمية وتطور وكل المصطلحات ذات الأتجاه الواحد حاصلة فعلا
ولكن في دائرة مغلقة عليهم..لا يصل اثرها لغيرهم
وهذا ما يفسر هلع الناس عامة وطرقهم ابواب التكسب غير الشريف
ويفسر خطورة سيادة الرأي/الحزب الواحد في عدم الأكتفاء بفساده هو
بل يسعي استراتيجيا في إفساد المجتمع كاملا
..
كل دور إذا ما تم ينقلب
...
شكرا لكرمك ووقلمك

winner
18-Dec-08, 16:32
نقولب بدل الزين..
والله نسأل أن يصلح الحال